بقلم: د. حسين عبد البصير
تكملة العدد الماضي
ولم يكن صعبًا على الملك العسكري والسياسي المحنك بسماتيك الأول أن يسيطر على الدلتا التي جاء منها، خصوصًا أن أمراء الدلتا كانوا ضعافًا وحكامها لم يكونوا يشكلون أية خطورة تُذكر عليه وتحديدًا بعد أن مهد له أبوه الحكم أثناء فترة تبعيته للحكم الآشوري، غير أن الصعوبة الحقيقية التي واجهها الملك بسماتيك الأول كانت هي كيفية سيطرته على الصعيد المصري البعيد عن الدلتا والعصي على السيطرة والاعتراف بحكمه، وتحديدًا مدينة طيبة العاصمة الدينية العريقة ومركز عبادة الرب الأكبر الإله آمون. غير أن الملك بسماتيك الأول أثبت أنه سياسي محنك ورجل دولة من طراز رفيع؛ ففي عام 656 قبل ميلاد السيد المسيح، قام بإرسال ابنته الأميرة نيوت إقرت أو نيوتكريس إلى الجنوب، إلى طيبة عاصمة مصر الدينية الكبرى، كي يتم تعيينها كزوجة مستقبلية للإله آمون رب طيبة الأعظم، في معبد الإله آمون بالمدينة، وكي يضمن السيطرة الدينية ومن ثم السياسية على طيبة وعلى الجنوب وعلى معبد الإله آمون وكهنته المسيطرين ودولته ذات الأوقاف والإقطاعيات والهبات والمؤسسات الاقتصادية القوية والمتحكمة في الجنوب وفي مصر ككل. وكذلك كان بسماتيك الأول من الذكاء بمكان حين استخدم نبلاء الجنوب، ولم يعادِ منهم أحدًا، وكان من بين أهمهم، والذي استخدمه كي يدعم حكمه وحكم ابنته في الجنوب بعد قيامه بخطوة تعيينها بمعبد الإله آمون، مونتو إم حات، عمدة طيبة القوي النبيل والكاهن الرابع للإله آمون. وكان بسماتيك رجل دولة مميزًا حين لم يخلع زوجتيّ الإله آمون الحاليتين من الأسرة السابقة، أي الأسرة الخامسة والعشرين الكوشية أو النوبية والتي هرب ملوكها إلى الجنوب، وهما شبن أوبت الثانية وآمون إرديس الثانية؛ وذلك حتى لا يدخل في محظور ديني يفقد به ما أراد تحقيقه من تعيين ابنته كزوجة مستقبلية للإله بعد موتهما. وهكذا سيطر بسماتيك الأول على الدلتا أولاً، ثم على الصعيد ثانيًا من خلال تعيين ابنته في طيبة في ذلك المنصب الديني والدنيوي المهم، وكذلك عدم معاداة البيت الكوشي الحاكم دينيًا في الجنوب أو معاداة نبلاء الجنوب الذين دعموا سيطرتهم وأيدوا سلطانه على الجنوب.
واتجه بسماتيك الأول ببصره إلى خارج الحدود بعد أن أمنّ دولته في الداخل. وحاول استعادة أمجاد ملوك مصر السابقين في الشرق الأدنى القديم، غير أنه وجد أن الأمر يحتاج إلى تكوين جيش قوي حتى يستطيع أن يحقق جولاته وصولاته وانتصاراته معيدًا مجد الإمبراطورية المصرية في الشرق الأدنى القديم والتي كانت في عصر الدولة الحديثة. فتوصل إلى فكرة بديعة وهي تكوين جيش من الجنود المرتزقة من بلاد البحر الأبيض المتوسط، فجمع عددًا كبيرًا منهم من الإغريق والكاريين وغيرهم.
وحكم بسماتيك الأول مصر لمدة تزيد على النصف قرن حوالي 54 عامًا، أعاد مصر فيها إلى عصر الاستقرار والقيم الدينية الراسخة في عقيدة المصريين القدماء. وعلى الرغم من التأثر الكبير بالتأثيرات الوافدة من الخارج في الفن والتجارة، والتي لم تحدث من قبل، قام ذلك الملك ورجال عهده ومن تلاهم بالنظر إلى آثار الماضي في عصور الدول القديمة خصوصًا عصري الدولتين القديمة والوسطى بعين الاعتبار والتقليد الحميد، والذي نعرفه بعصر الرينيسانس أو عصر النهضة الصاوية، حين قام ملوك الأسرة بتقليد فنون ونصوص الفترات السابقة ووضع لمستهم الفنية في محاولة منهم للالتصاق بمجد الماضي العظيم في مواجهة ضعف الحاضر الذي كانوا يعيشونه.
وفي عام 653 قبل الميلاد، استغل بسماتيك الأول انشغال ملوك آشور بأمورهم الداخلية، وانسلخ من سيطرتهم، وهم أيضًا لم يهتموا بانفصاله عنهم؛ نظرًا لشدة الصراع الداخلي على العرش لديهم، وتهديد قوة بابل الصاعدة من الجنوب لهم، فكان لبسماتيك الأول ما أراد. وكان سعيد الحظ. وأخذ لنفسه خطًا مغايرًا في السياسة الخارجية. وجعل من مصر قوة ضاربة ومهمة ومؤثرة في منطقة الشرق الأدنى القديم. غير أن غياب آشور عن المسرح السياسي للأحداث في الشرق الأدنى القديم، ترك فراغًا سياسيًا كبيرًا في المنطقة؛ فظهرت قوى أخرى مثل البابليين تحت قيادة ملكهم الشهير نابوبولاصر، وظهر كذلك الميديون، وظهر أيضًا الساسانيون. وفي الفترة من 629 إلى 627 قبل الميلاد، قام نابوبولاصر بالتحرك جنوبًا إلى جنوب فلسطين حتى دحره المصريون في أشدود على الساحل الفلسطيني. وتقين بسماتيك الأول من الخطر الحقيقي لمصر لانهيار الآشوريين؛ لذا ساعدهم ضد البابليين في عام 616 قبل الميلاد، غير أنه لم تكن لديه قوات كافية كي يقضي على البابليين نصرة ومساندة منه لحلفائه الآشوريين السابقين. غير أن قوى دولية أخرى مكونة من الفرس والساسانيين قامت بمهامجة آشور في عام 612 قبل الميلاد وقامت بالقضاء على الخط المالك في البيت الآشوري.
بسماتيك الأول ملك مصري محارب وسياسي ورجل دولة من طراز رفيع حقق لمصر مجدها وناطح القوى الإقليمية الكبرى وجعل لمصر مكانها في عالميّ الشرق الأدنى القديم والبحر المتوسط وحقق عصر النهضة الصاوية في فترة متقلبة من تاريخ مصر القديمة، فكان نعم الفرعون الموحد لمصر العظيمة والمجدد لثقافتها والمعيد لمجدها الخالد.
أبريس واح أيب رع
الملك أبريس هو الملك المصري المعروف باسم «واح إيب رع» في عصر الأسرة السادسة العشرين أو ما يعرف باسم العصر الصاوي، أو عصر النهضة الصاوية. وكان قد تبع والده الملك بسماتيك الثاني على عرش مصر في شهر فبراير من عام 589 قبل ميلاد السيد المسيح عليه وعلى نبينا محمد أفضل الصلاة وأتم التسليم. وكان والده الملك بسماتيك الثاني قد تدخل بشدة في الشؤون الفلسطينية بما قد نطلق عليه حملة في عام 591 قبل الميلاد في جنوب فلسطين وذلك دعمًا ومناصرة للحاكم الماريونت البابلي المدعو زاداكيه حاكم مدينة القدس وذلك تشجيعًا له على الثورة على الحكم البابلي غير أن الأمر جاء بعواقب وخيمة. وكان من سببها أن دفعت القدس الثمن غاليًا بعد أن قام الملك البابلي المشهور نبوخذ نصر الثاني بحصارها لمدة عامين كاملين دون رحمة، مما أدى إلى سقوط مدينة القدس في عام 587 قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام. وكان ذلك العام هو العام السابع والثلاثون من أعوام النفي البابلي وفقًا للتوراة.
وعلى ذلك النحو، استمر الملك إبريس واح إيب رع في سياسة والده في فلسطين. وشهدت فترة حكمه مشكلات عسكرية داخل البلاد وكذلك خارج البلاد. غير أن تمردًا نشب على حدود مصر الجنوبية وتحديدًا على الحامية الحدودية المهمة في منطقة أسوان. وقام القائد العسكري الشهير نس حور المسمى باسم بسماتيك منخ إيب بقمع ذلك التمرد وإقناع الجنود المتمردين بالعودة إلى أرض مصر بعد أن كانوا قد تركوا مكان الحامية في أسوان واتجهوا جنوبًا إلى النوبة وذلك وفقًا لما ذكره في نص سيرته الذاتية الشهيرة والمكتوبة على تمثاله الموجود حاليًا في متحف اللوفر في العاصمة الفرنسية باريس.
وأرسل الملك أبريس واح إيب رع جيشه إلى ليبيا بقيادة القائد المصري المعروف أحمس أو أمازيس والذي سوف يكون له دور مهم في الأحداث القادمة وفي مستقبل وحكم مصر. وكانت قد قامت في ليبيا أحداث مؤسفة نتيجة هجمات الغزاة الدوريين من الإغريق والذين هاجموا ليبيا بضراوة، فقام الملك المصري الملك إبريس واح إيب رع بإرسال ذلك الجيش دعمًا لليبيا ومساندة لها ضد تلك الهجمات الغازية. غير أن الجيش المصري عاني من ذلك التدخل. ونشبت به حركة تمرد ضد الملك إبريس واح إيب رع. وانتشرت الحرب الأهلية في أرض مصر بعد عودة الناجين من تلك المعركة غير الموفقة. ودبت الحرب الأهلية بين الجنود المصريين الوطنيين والجنود المرتزقة من الأجانب الذين كانوا يعتمد عليهم ملوك الأسرة السادسة والعشرين الصاوية في تكوين الجيش ابتداءً من الملك المؤسس بسماتيك الأول.
وكما كان يحدث في عصر الإمبراطورية الرومانية، اتجهت أبصار الجيش المصري إلى اختيار قائد عسكري منه كي يقود التمرد ضد الملك إبريس واح إيب رع. وما وقع الاختيار إلا على القائد المنتصر في الحملات الصاوية ضد بلاد النوبة، وأعني القائد العسكري المتميز أحمس أو أمازيس. وعندما التقى الجمعان، تم قتل الملك إبريس واح إيب رع، وانتقل الحكم إلى ذلك القائد العسكري وهو من خارج سلالة الأسرة الحاكمة ولا يحمل الدم الملكي، وأعني الملك أحمس الثاني أو الملك أمازيس. غير أن الملك أحمس الثاني أمازيس قام بتأدية الطقوس الواجب اتباعها على جثمان الملك القتيل الملك إبريس واح إيب رع بما يليق بجلال الملكية المصرية المقدسة ودفن جسد الملك الراحل في المقابر الملكية في عاصمة الأسرة الصاوية في مدينة سايس في وسط الدلتا المصرية.
الملك إبريس واح إيب رع كان حلقة وصل بين ملوك سايس الأوائل وبين الملك أحمس الثاني أمازيس الذي أعاد للأسرة الحاكمة عظمتها. وحكم مصر حكمًا رشيدًا وجعل من مصر قوة مهمة في الشرق الأدنى القديم.
أحمس الثاني أمازيس
الملك أحمس الثاني أو الملك أمازيس هو ثاني أهم ملك في الأسرة السادسة والعشرين الصاوية أو العصر الصاوي بعد الملك المؤسّس بسماتيك الأول. وحكم فترة طويلة من العصر الصاوي تقدر بحوالي أربعة وأربعين عامًا من عمر الأسرة المقدرة بحوالي مائة وثمانية وثلاثين عامًا، أي مدة تزيد عن ثلث عمر الأسرة. وكان عهده عهد ازدهار وسيادة ورخاء وإبداع وتعمير وبناء وتعاون وتواصل مع القوى الخارجية.
وازدهرت العاصمة الملكية سايس في وسط الدلتا المصرية في عهد الملك أحمس الثاني أمازيس. وحفلت المدينة بالمقابر الملكية الصاوية، غير أن هذه المدينة لم يتم حفرها بشكل كامل وشامل، ولم نعثر بها إلا على عدد قليل من تماثيل الأوشابتي أو التماثيل المجيبة التي كان المصري القديم يستخدمها للقيام بالعمل نيابة عنه في العالم الآخر. وتحمل عشرة من تلك التماثيل اسم بسماتيك، غير أنه من الصعب تحديد نسبتها لأي ملك من الملوك الثلاثة الذين حملوا اسم بسماتيك. وهناك ستة من تماثيل الأوشابتي تحمل اسم الملك أحمس الثاني أمازيس.
ولنا تكملة في العدد القادم














