بقلم: تيماء الجيوش
أربعة عشرة عضوة من أعضاء البرلمان السوري الذي انعقد منذ أيام للمرة الأولى منذ سقوط نظام الأسدين
اجتمعن في صورة واحدة تناولتها وسائل الاتصال الاجتماعي. هذا البرلمان الذي يقع على عاتقه مهامٍ معقدة في ظروف ٍ شديدة الدقة.
قد يختلف فيها بعض السوريين أو يتفق على المرحلة الانتقالية ، على التكييف السياسي لها ، على أنها ربما جسراً ما بين ماضٍ قريب ذهب ضحيته آلاف المدنيين و مستقبلٍ يؤمل منه أن يعيد السلم والكرامة لأبناء سوريا .
بذات درجة الاختلاف و يزيد يتفق الـسوريين بمعظمهم على أن نظام الأسدين الديكتاتوري حرص على قمع الحياة السياسية ، حرصٌ نال ما نال من منع حرية التعبير و حرية التجمع ، ما أدى إلى عدم تأسيس أحزاب حرة مستقلة تسهم في حراك سياسي في البلاد أو تكوين رأي عام.
مع سقوط نظام الأسدين و ضحالة الحياة السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية و الثقافية بات هناك تحدٍ يجابه السوريين في الانتقال من النزاع المسلح إلى السلام المستدام ، وهذا يُعدُّ من أصعب المراحل التي تمر بها أي أمة او بلد. حيث تتمحور الأولويات على إعادة بناء البنية التحتية، واستعادة الأمن، وإنعاش الاقتصاد، التشريع و سيادة القانون ، والذي يتطلب بادئ ذي بدء إعادة بناء المؤسسات الديمقراطية التي تُمثّل جميع فئات الشعب تمثيلًا حقيقيًا، و هذا التمثيل الحقيقي يستدعي و بالضرورة التي لا جدال حولها مشاركة المرأة الفعّالة في الهيئات التشريعية والبرلمانات الوطنية.
فالتمثيل السياسي للمرأة ليس في حقيقة الأمر مجرّد مسألة مساواة أو طرح نظري ، بل هو شرط أساسي لبناء الديمقراطية، وبناء السلام الشامل الذي يأمله كل بيت سوري ، وهو ما أكد عليه القانون الدولي حين نصّ على حق الأفراد في المشاركة في الشؤون العامة من إدارة و ترشح و تصويت وانتخاب بحسب ما أفادت به المادة ٢٥ من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية داعية إلى إزالة كل ما يعيق الحياة السياسية و المشاركة فيها. زد على ذلك أن المادة الثالثة من ذات المعاهدة نصّت على التزام الدول الأطراف التعهد بان الحقوق المدنية و السياسية هي حق للأفراد جميعاً دون تمييز و بهذا توجه المشرع الدولي بنقل المشاركة السياسية من حيز هدف طموحٍ له إلى التزام قانوني ملزم .
ويتعزز هذا الالتزام في الجيل الثاني من المعاهدات الدولية و ذلك باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة CEDAW.
- إذ نصّت المادة 7 منها على إلزام الدول بالقضاء على التمييز ضد المرأة في الحياة السياسية والعامة، وضمان تكافؤ الفرص أمامها لتولي المناصب العامة والمشاركة في صنع القرار السياسي، مُشيرةً الى أن التدابير الخاصة المؤقتة، مثل الحصص الجندرية او الحصص التي تنالها النساء في المجالس التشريعية قد تكون ضرورية لتسريع تحقيق المساواة الجوهرية.
ناهيك عن أن الديمقراطية تُعزز من خلال احترام التنوع في المجتمع الذي يُسهم في دمج منظور الفئات المجتمعية المختلفة في الحوار و هذا بالتحديد ما يعنيه وجود المرأة في الحيز التشريعي. - هذا من حيث القانون و التشريع الدولي ، إما عملياً و سوريا كبلدٍ انتهى من نزاعٍ مرير مع سلطة ديكتاتورية هل من حاجةٍ إلى المزيد من النساء في المؤسسات التشريعية؟
و الإجابة هي نعم ، و بدليل الأبحاث التي تُظهر على تنوعها أن زيادة نسبة تمثيل المرأة في المجالس التشريعية يُسهم في وضع سياسات تتسم بالشمول ، الاهتمام بالتعليم ، والرعاية الصحية، وحماية الطفل، ومكافحة الفساد، والرعاية الاجتماعية. كما و تشير إلى دور المرأة المُشّرعة الفاعل في تطوير القوانين التي تتناول العنف الأسري، والاتجار بالبشر، وتكافؤ فرص العمل، وحقوق الضحايا. بالمقابل فان استبعاد المرأة من الهيئات التشريعية يؤدي إلى هشاشة في بناء الديمقراطية والسلام على حد سواء لسبب بسيط مؤداه ان القوانين التي تنظم الإصلاح الدستوري، او وضع دستور دائم ، رسم أسس العدالة الانتقالية، وإصلاح القطاع الأمني، والتعليم، والرعاية الصحية، وقانون الأسرة، والإنعاش الاقتصادي، جميعها لها تأثير مباشر و آني على النساء ، و غياب صوت المرأة في المؤسسات التشريعية يعني قبول المخاطرة بإقصاء نسبة هامة من أفراد المجتمع و التي لها تجربتها القادمة من واقع يومي مُعاش. - ثلاثة عشر عاماً من دموية نظام شرس دفعت بالمرأة السورية لان تكون موضوعاً للابتزاز و العنف السياسي ، العنف الجنسي ، الاتجار بالبشر، ل النزوح و اللجوء ، نال منها ما نال التهميش الاقتصادي و انهيار الخدمات الأساسية، باتت هي من تعيل أسرتها لكن لا هذا و لا ذاك منع أن تكون ضحية لـ العنف الأسري و لإرثٍ تقليدي اجتماعي يدفعها دفعاً إلى دونية لم تكن لتختارها. فما الذي حمله لها اليوم التالي لسقوط الطاغية الأسد؟
بالعودة إلى الصورة وما تمّ هذا الأسبوع من انعقاد للجلسة الأولى للبرلمان، يبلغ عدد أعضاء البرلمان ٢٠٧ و عدد النساء النائبات هو ٢٢ اي ما يقارب ١٠ بالمئة من أعضاء البرلمان .
كان يمكن أن تكون الصورة اقرب إلى ما قدمته المرأة السورية ، أن تلامس حقيقةً العبء الذي يقع على كاهلها ، ان تعكس تجربتها لا سيما في سنوات العقد الماضي العجاف، كان يمكن أن تكون أكثر تأثيراً بضمها عدد اكبر من المشرعات السوريات ، ولم لا يكون عددهن الثلث او النصف ولم لا؟
تمثيل المرأة في الهيئات التشريعية ضرورة ديمقراطية، والتزامٌ بحقوق الإنسان، وركيزة أساسية للسلام المستدام في مجتمعات ما بعد النزاعات. ما ذُكِرَ أعلاه عن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) وبرنامج المرأة والسلام والأمن، ليس سوى إطار قانوني وأخلاقي واضح يُلزم الدول بضمان مشاركة المرأة على قدم المساواة في الحياة السياسية. والأمر ليس فقط كمياً بل يتجاوزه إلى النوع و ماهية مشاركة المرأة و انخراطها التام على قدم المساواة في البناء التشريعي.
في نهاية المطاف، ينبغي القول إن أردنا مجتمعاً ديمقراطياً فهو لن يولد فقط بانتهاء النزاع او الصراع او الحرب ، بل يُقاس بالمؤسسات . وبالتالي فإن ضمان تمثيل جذري للمرأة في الهيئات التشريعية ليس مجرد مسألة عدالة؛ بل هو شرط لا غنى عنه من أجل المرونة الديمقراطية والشرعية الدستورية والسلام الدائم. للمرأة في وطني الأم سوريا ، في وطني الذي اخترته كندا ، للمرأة العربية و في العالم اجمع شكراً لكن ولكل ما قدمتموه لبناء السلم و استقامة السياسة ، تليق بكن الكرامة و تليق بكن الحياة .














