بقلم: علي عبيد الهاملي
كاتب وإعلامي إماراتي
لم تعد كرة القدم مجرد تسعين دقيقة يتبارى خلالها فريقان على رقعة خضراء. أصبحت صناعة عملاقة تتقاطع فيها السياسة والاقتصاد والإعلام والاستثمار، حتى صار السؤال الذي يفرض نفسه مع كل بطولة كبرى: هل ما نشاهده يُحسم داخل المستطيل الأخضر، أم أن جانباً من مصيره يُصنع في الغرف المغلقة؟
هذا السؤال عاد بقوة خلال بطولة كأس العالم الحالية بعد حادثتين أثارتا كثيراً من اللغط، وحولتا الأنظار من جمال اللعبة إلى ما يجري في كواليسها. الأولى تمثلت في الجدل الذي صاحب البطاقة الحمراء التي أشهرها الحكم في وجه مهاجم المنتخب الأمريكي فولارين بالوغون، ثم ما تردد عن تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وما أعقبه من قرارات أعادت اللاعب إلى البطولة. والثانية كانت الاعتراضات الواسعة التي صاحبت أداء الحكم الفرنسي فرانسوا ليتكسير في مباراة المنتخب المصري، وما رآه كثيرون من قرارات أثرت بصورة مباشرة في نتيجة اللقاء.
بغض النظر عن تفاصيل كل حادثة، فإن المشكلة الحقيقية لا تكمن في قرار حكم أو في احتجاج منتخب، وإنما في الصورة التي تترسخ لدى الجمهور عندما يشعر بأن ميزان العدالة لم يعد متساوياً بين الجميع. فالجماهير قد تتقبل الخطأ البشري، لأن الحكم في النهاية إنسان، لكنها تجد صعوبة في تقبل أي انطباع يوحي بأن هناك من يؤثر في مسار القرارات خارج الملعب.
الفيفا ظل لعقود يقدم نفسه باعتباره المؤسسة التي تدير اللعبة وفق قوانين واحدة تطبق على الجميع، فلا فرق بين منتخب كبير ومنتخب صغير، ولا بين دولة عظمى ودولة محدودة النفوذ. هذه الفلسفة هي التي منحت كأس العالم مكانتها، لأن البطولة كانت تبدو ساحة يتساوى فيها الجميع لحظة انطلاق صافرة البداية. لكن أي حادثة توحي بوجود استثناءات تهدد هذه الصورة التي بُنيت عبر عشرات السنين.
لقد جاءت تقنية حكم الفيديو المساعد أصلاً لتقليل الأخطاء وتحقيق قدر أكبر من العدالة. وكان الاعتقاد السائد أن التقنية ستغلق أبواب الجدل، لكنها في أحيان كثيرة فتحت أبواباً جديدة، لأن القرار النهائي بقي في يد الإنسان، ولأن طريقة استخدام التقنية أصبحت بدورها محل نقاش. فإذا أضيف إلى ذلك الحديث عن تدخلات وضغوط خارجية، فإن الثقة تتعرض لاختبار صعب.
ما تعرض له المنتخب المصري من ظلم واضح أعاد إلى الواجهة شعوراً قديماً لدى كثير من المنتخبات بأن بعض القرارات التحكيمية لا تخضع دائماً لمعيار واحد. وربما يكون هذا الشعور أخطر من الخطأ نفسه، لأن الرياضة تعيش على ثقة جمهورها، فإذا اهتزت تلك الثقة، فقدت البطولة قيمتها المعنوية مهما بلغت قيمتها التجارية.
كرة القدم لا تحتاج إلى أن تكون عادلة في كل قرار، فهذا أمر مستحيل. لكنها تحتاج إلى أن يقتنع الجميع بأن العدالة هي الهدف الأول، وأن الخطأ إذا وقع فهو نتيجة تقدير بشري لا نتيجة نفوذ سياسي أو اقتصادي أو إعلامي. الفارق بين الأمرين كبير، لأن الأول يمكن التسامح معه، أما الثاني فيقوض أساس المنافسة.فالفيفا لا يدير بطولة تخص دولة بعينها، وإنما يدير بطولة يشارك فيها العالم كله، ولذلك فإن استقلالية قراراته ليست رفاهية، وإنما شرط أساسي لاستمرار مصداقيته.
أخطر ما يمكن أن تواجهه أي بطولة رياضية ليس احتجاج المدربين ولا غضب الجماهير، وإنما انتشار القناعة بأن النتائج لا تتحدد بالكامل داخل الملعب. فعندما يصل المشجع إلى هذه المرحلة، يصبح الهدف الذي يهز الشباك أقل إثارة، وتصبح صافرة الحكم أقل احتراماً، وتتحول كرة القدم من لعبة تجمع الشعوب إلى ساحة تتصارع فيها المصالح.لهذا فإن الفيفا مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن يكون شفافاً في شرح قراراته، وحاسماً في حماية استقلال حكامه، وسريعاً في مراجعة كل ما يثير الشكوك. فالمونديال إرث رياضي وإنساني صنعته أجيال متعاقبة، ولا يجوز أن تتآكل قيمته بسبب انطباعات كان يمكن تبديدها بالوضوح والعدالة.
ويبقى الدرس الأهم، أن كرة القدم لا تنتصر عندما يرفع فريق الكأس، وإنما عندما يغادر الخاسر الملعب وهو مقتنع بأنه خسر أمام منافس أفضل، لا أمام قوة كانت تعمل تحت الطاولة بينما كانت الأنظار كلها معلقة بما يجري فوق العشب الأخضر، ومالم يتحقق هذا فعلى كرة القدم وكأس العالم السلام.













