بقلم: ادوارد ثابت
الفرصة قد تأتي للإنسان فإذا تخاذل عنها وتردد في أقتناصها فقد بعدها ما يتمناه منها .
كان يعمل بعد تخرجه في الجامعة ببلدة من محافظات الوجه البحري ، وهو يقطن بالقاهرة ، فكان يستقل قطار الصباح الذي يعرف موعده ليذهب إلى عمله ثم يعود بقطار الظهر إلى محطة القطارات الرئيسية أو محطة مصر أو باب الحديد كما كان يطلق عليها من قبل ، فلا يتجه إلى ميدان رمسيس أو نهضة مصر قبله عندما وضع به في عشرينات القرن العشرين تمثال نهضة مصر الذي نفذه المثال محمود مختار ، والذي وُضع بعد حركة يوليو أو ثورة يوليو كما يقال عنها إلى ميدان جامعة القاهرة ، ووضع مكانه تمثال رمسيس الثاني الذي نقل بعده إلى المتحف المصري الكبير بأول طريق مصر/ إسكندرية الصحراوي . لم يكن يتجه إلى مكان رمسيس ، وإنما كان يتجه إلى الجانب المضاد له فيجتاز محطة قطارات الصعيد أو الوجه القبلي ، ثم يستقل الترام ليذهب إلى بيته . وكان يوم لم يَنْسَه ، رآها فيه ولم تقل له إلا لفظة وتمتمة أثرتا فيه تأثيراً وجعلتاه يبحث عنها كثيراً ليراها . جاء من عمله بقطار الظهر وتعدى ساحة المحطة ليجتاز محطة قطارات الصعيد ، فرأى قطاراً مزدحماً يقبل ويتوقف ، وينزل منه عدد كبير من الرجال والنساء ، أغلبهم من الذين يعملون ببلاد لا تبتعد عن القاهرة ، فيستقلون قطاراً في الصباح يذهبون به إلى عملهم ثم يرتدون بقطار مثله إلى القاهرة كما يفعل هو فأزدحم الرصيف بهؤلاء وهم يتجهون إلى باب الخروج وسار هو معهم ، فإذا فتاة تتقدم مع زميلاتها يتضاحكن فتلفت أنتباهه ، فما أن يرنو إليها حتى يتباطأ في خُطاه ويتأوه في نفسه من الجمال بها وفتنة تغمرها ورقة تبدو عليها . كانت ترتدي معطفاً أحمر اللون زاد جماله فتنتها وزادته هي من رقتها رونقاً . وفي ضحكتها لمع في فمها ضرس من أضراسه تغطى بغطاءٍ ذهبي أكسب وجهها ضياءً وبريقاً ، وتلحظ الفتاة نظرته إليها فتلتفت إليه لفتة سريعة عابرة ثم تلوى وجهها وهي تستمر في سيرها ، ويتعثر هو ولا يزال يتطلع إليها فتنظر إلى وجهه مرة ثانية وكأنما أحست به يتطلع إليها ، فإذا نظرتها هذه المرة قد طالت قليلاً ولازالت تبتسم من ضحكتها مع زميلاتها ، فبدا عليها شيء من اللين والرقة فمست قلبه وأفرحت نفسه ، وأغلب الظن في ذلك لأن الفتاة رأت فيها حنواً منه ، فهو لم يغازلها ذلك الغزل الذي يطلقه على الفتيات ، والذي يخلو من الصدق ولا ينبع من القلب ، بل قد يبدو فيه سخف لا يتأثرن به بل قد ينفرن منه ، لم يغازلها ذلك الغزل ، وإنما تطلع إليها فحسب في هذا الحنو وكأنما يحييها به أو يباركها فيه وكأنما يرغب معها في أن يضمها إليه ليحميها من أعين الناس ويحفظها ممن حوله ومما يحيط بها . وتستمر الفتاة في سيرها مع صديقاتها ويظل هو على إعجابه وأفتتانه حتى تختفى بين الناس . وكان هو ككل الشباب أو بعضهم في ذلك الوقت يتمنى أن يرتبط بفتاة يربط الحب بينهما ، فتمنى في تلك اللحظة التي رآها فيها أن يكون بينهما هذا الرباط ، فهي في هذا النمط من الفتيات الذي يرغب فيه ، والذي يتوق إليه ، وها هي التي يرغب فيها ويتوق إليها ويصبو إلى أن يعيش معها ، فكأنما هو يقول حينذاك بينه وبين نفسه : ياليتها تكون هكذا ! ولكن كيف ؟ ولم يحدثها ولم يتعرف عليها فالحديث والتعارف لا بد منهما ، فهما قد يؤكدان ما أحسه بنفسه منها . ألعه كان يمكنه أن يستوقفها ليلقى عليها بعضاً مما فعلته به ، ويفصح لها عن رغبته في أن يراها ويتعرف عليها ولكن كيف التأكد من ذلك ؟ أما كانت ستغفر منه وتسخر من أندفاعه وتعتقده من هؤلاء الشباب الذين يمرحون ويهدفون إلى التسلَّي بما يعرفون من الفتيات – وهي تسير مع صديقاتها ، ألعلها كانت ستخجل أمامهن من أن تنتظر وتحدثه وتتركهن ! ثم ما جدوى كل هذا التخيل وقد أسرعت ونأت عنه فغابت وأختفت ولم يحدث من ذلك شئ . وسار مطاطئ الرأس يتخطى الميدان الصغير ليستقل الترام إلى بيته وقد أمتلأت نفسه شجناً وشجواً وغمر قلبه الأسى والإلتياع . ويستقل الترام ، فيقف بالطرقة الصغيرة المحاذية للباب ، وكان الترام ينتظر أشارة المرور ليستمر في سيره ، وقبل أن يتحرك تقبل فتاة في سرعة وتعتلي سلم الترام ، وينظر فإذا هذه الفتاة التي رآها ، ويخفق قلبه ويمسه شئ من الارتباك يمتلئ بسعادة غامرة . وتقف الفتاة أمامه بالطرقة ، ويندهش !! ما هذا الذي يحدث ؟ لم يتوقع أن يحدث بعد أن رأها تختفي مع صديقاتها بعد أن نزلن من القطار ، لم يتوقع أن يراها ولكنها تأتي بعد دقائق وتقف أمامه ، وترفع عينيها إلى وجهه فتلتفت إليه لفتة سريعة ثم تغض بصرها . ويسير الترام فتتملكه رغبة قوية في أن يحدثها ، ولكنه يخشى أن تصده أو على الأقل لا تأبه به ولا بحديثه فتراه كشاب يرغب فقط في أن يحدث فتاة . وينظر إلى وجهها فما أن تلتفت إليه حتى يخفض عينيه ، وتفعل هي مثله فما أن تنظر إليه وتراه يتطلع إلى وجهها حتى تخفض عينيها سريعاً . ويتكرر ذلك منهما ومع ذلك كان يخشى أن تكون لفتاتها نحوه هي استغراب منها من تطلعه إليها . ولكن ماذا يفعل ؟! أيظل هكذا من غير أن يقدم على شئ ؟ فقد تنزل من الترام عندما ينتهي إلى محطتها التي تغادره منها ، أما محطته هو فلا يهم إن أنتهى الترام إليها ولن يغادره فلا بد من أن يسرع ؛تى لا تضيع هذه الفرصة ولا سيما أن الفتاة لم تبحث عن مكان تجلس به فأحس وكأنما تلك الطرقة الصغيرة هي هجرة تضمها بعيداً عن أعين الناس . ويدنو الترام من المحطة التي عليه أن ينزل منها فتنتابه جرأة فجائية فينظر إلى عينيها ويسألها في هدوء – أتاتين دائماً في ذلك القطار ؟ ولم تستغرب الفتاة من سؤاله ، فكيف يسأل شاب فتاة هذا السؤال في ترام يقفان به ، ولكنها أدركت ، لقد رأته ينظر إليها في حنو وذوق وهي تغادر القطار مع صديقاتها والتفتت إليه ، ولهذا لم تدهش لسؤاله ولم ترَ فيه تجاوزاً منه ولم تشعر معه بنفور من سلوك ينأى عن الاحترام وطيب الأخلاق ، فهو لم يفعل شيئاً إلا أن رأها ونظر إليها ثانية بعد دقائق وها هو ينظر إليها ويسألها ذلك السؤال . لم تستغرب منه ، ولم ترَ فيه ذلك التجاوز ، بل لعلها أحست في هذه الفرحة شيئاً من الدهشة الغريبة التي تمتع النفس فتنظر إليه وتومئ بوجهها وتحرك شفتيها وكأنما تقول له نعم ، فيا لتلك السعادة التي انتابته عندما أجابته . ويفكر ، فهي تعمل من غير شك ببلدة في بلاد الوجه القبلي وتذهب إلى عملها كل يوم بالقطار مثلما يفعل هو فيسألها وكأنما يناجيها : – أين تعملين ؟ فتجيبه في رقة – في المزغونة ولم يعرف من هي تلك المزغونة ، ولم يشأ أن يسألها عنها حتى لا يضيع الوقت ولكنه توقع أن تكون بلدة من هذه البلاد التي تعمل بها . وينتهي الترام إلى المحطة التي عليه أن ينزل فيها ولكنه لم ينزل فيسألها سريعاً حتى يتأكد : أتاتين دائماً سريعاً في هذا الموعد الذي أتي فيه القطار اليوم فتومئ له وتحرك شفتيها وكأنما تقول له نعم . ويتوقف الترام بالمحطة التالية فتنظر إليه وتومئ له في ابتسامة خفيفة تحييه فيها وتتمتم وكأنما تقول أستأذنك أو مع السلامة .
وتنزل فيرقبها وقد سار الترام تعبر الطريق وتدلف إلى شارع من الشوارع العمودية عليه ، إذن فهي قريبة من مسكنه . ولم ينزل معها من الترام على الرغم من أن محطته قد سبقت محطتها : كان يمكنه أن يفعل ويسير خلفها حتى يعرف أين تسكن ولكنه لم يفعل ‘ فقد خشى أن ترى في ذلك جرأة منه لا داعي لها ، ومع ذلك فقد شعر بشئ من التأنيب ، لماذا لم يسألها موعداً يتقابلان فيه ، لابأس فلينتظر الغد ليراها بمحطة القطار الذي تأتي به كما أخبرته وكما رآها في ذلك اليوم بعد أن يأتي من عمله وبعد أن تأتي هي . وتوقف الترام ونزل ، فكان عليه أن يسير محطتين سيراً على قدميه، ولكنه لم يضق بل انتبته فرحة غامرة .












