بقلم: نعمة الله رياض
تلقيت أمراً بأن أنتقل لشقة مفروشة تطل على عمارة حديثة الإنشاء في حي شعبي في أطراف مدينة القاهرة .. بدأت عملي بسؤال حارس العمارة عن شقة لإستأجارها .. نظر الحارس إلي المعطف الكاكي الذي أرتديه والذي يوحي بأني من رجال الشرطة أو مخبر محنك، فأجاب بحذر :- نعم توجد شقق جاهزة للتسليم على المحارة ، ولا يشغل واحد منها حالياً إلا رجلاً ثرياً إشترط شقة فى عمارة نائية تري النيل، وقد استلمها منذ عشرة أيام فقط ، وهو يعيش فيها بمفرده بلا زوجة ولا أبناء ، ولا يغادر مكانه إلا عند الحاجة.. في اليوم التالي قابلت صاحب العمارة المقابله وتعاقدت علي استأجار شقه تري شقة هذا الثري بوضوح ، إستلمت الشقة وتابعت رصدي لتحركاته داخل شقته وخارجها .. إفترضت أن يكون سبب ثرائه ، أن يكون إرهابيا أو تاجرا للمخدرات أو جاسوساً، أو من الجائز أن يكون مجرما، جاء لينفذ جريمة ، أو إنه هارب من شيء ما! فلماذا إذاً يختار شقة بعمارة غير مسكونة تري النيل ؟! ألا أن يكون خائفاً من أناس يحاولون السطو عليه أو قتله .. وضعت كل هذه الإحتمالات أمامي لإدرسها واستبعاد الإحتمالات الغير مقبوله .. كنت اربط كل تحركاتي بتحركاته حتى حفظت معظمها ، فباستخدام نظارة مكبرة كنت اتابع من نافذتي وجوده في صالة المعيشة وحجرة المكتب وغرفة النوم ، حتى الحمام ودورة المياة كان يتركهما بلا إغلاق ، لعله كان يظن عدم وجود متلصصون علي الشقة.. كنت ارتدي بسرعة البنطال الأسود والقميص الرمادي وفوقهما معطفي الكاكي وأعدو في أثر هذا الرجل لأعرف إلى أين يذهب ، كنت أراه في الطريق بكامل هندامه، بشعر ممشط ووجه صبوح ، يتأبط إحدى الجرائد أو المجلات ، كنت احاول التواصل معه عندما اراه سائرا في الطريق لأسأله عن إسمه وما هو عمله ، فكان يتهرب مني ويسرع الخطي في طريقه المؤدي إلي شقته ، في مرة دخلت ورائه محل السوبر ماركت الوحيد في هذه المنطقة النائية لاشتري طلباتي من الشاي والسكر والارز والجبن وخلافه واكتشفت انه يشتري بضائع غالية الثمن أكثر بعشر مرات قيمة مشترياتي !! حاولت اللحاق بالرجل حتى أساعده فى حمل أغراضه الكثيرة، لكن خطواته كانت سريعة ومنتظمة كأنه يسير في طابور استعراض عسكري .. وفي يوم آخر لمحته يدخل الصيدلية ، الوحيدة أيضاً في المنطقة ، ليشتري أدوية وعقاقير ومكملات غذائية تقدر فاتورتها بمئات الجنيهات ، بينما كنت أكتفي بشراء علبة اسبرين ليخفف صداعي!! ينطبق هذا علي اللحوم من المجزر فكان يشترى لحوماً بقطعيات فاخرة بالإضافة إلى الكبد والكلاوي والكوارع ، بينما كنت أشتري كيلو من اللحم المفروم أطهيه علي أربع أقسام متساوية ، تكفي لإطعامي مع الأرز والسلطة أربعة أيام !!.. وعن الزائرين لشقة هذا الرجل ، تفرغت لأنجز مهمتي بمراقبة تحركاتهم داخل شقته ورصد الزائرين المتواجدين معه ولاحظت تكرار زيارة رجل بلحية كثيفة ويحمل حقيبة سوداء من النوع المشفر وكانا يراجعان بعض الأوراق باستخدام الحاسب المحمول ، وفي نهاية الزيارة يعطيه الرجل الملتحي مظروفاً به كثير من العملات ألأجنبية ..
شاهدت مرة إمرأتين منقبتين تدخلان شقتة وتحملان حقيبتين مشفرتين ، ورحب بهما هذا الرجل ، ودهشت عندما ازاحا النقاب من علي وجهيهما ليتضح أنهما رجلان متخفيان !!
أبلغت جميع ما حصلت عليه من معلومات لرئاستى فطلبوا مني الإستمرار في المراقبة وارسال ما يحدث بأكثر تفاصيل ممكنة.. وعن علاقاته النسائية كانت تزوره إمرأة حسناء كل يومين أو ثلاثة في الأسبوع بعد غروب الشمس ، واستنتجت كنه علاقتهما عندما كنت أري السيدة تخرج من الحمام عارية تماماً كما ولدتها أمها !!
إستمرت مراقبتي لشقة الرجل الثري لإكثر من ستة أسابيع وبعد ذلك ظل أسبوعا كاملا لم يظهر، حتى ظننت أنه ربما يكون قد غادر الشقة ، لكني صحوت على صوت أبواق سيارات النجدة وسارينة الإسعاف، وهرولت مع الأهالى وتجمعنا أمام العمارة، وظنى أنه ربما هاجمه أحد البلطجية ليلا، فقتله دفاعا عن حياته .. بدأت تحقيقات النيابه وتم إستدعاء الأشخاص والمشتبهين الذين تعاملوا معه والذين كانوا يتولوا زيارته ، وأخذت البصمات من علي سطح المسدس الذي كان يحتفظ به القتيل في الدرج الموجود بجانب الفراش ،واعتبر آداة الجريمة واستخدم حديثا في إطلاق النار ،ولكن لم تسفر التحقيقات عن نتيجة .. أخيراً خطر لرئيس النيابة ان يطلب أخذ بصمات حارس العمارة بالرغم انه لم يكن محل شك لإنه كان علي صلة قرابة بعيدة من القتيل ومن قرية واحدة ، وتم التوصل إلي القاتل بمطابقة بصمات حارس العمارة مع البصمات الموجوده علي سطح المسدس وقد إعترف حارس العمارة بقتل قريبه الرجل الثري وقرر انه طمع في ثروته التي كان يحتفظ بها في حقيبة مشفرة داخل خازنة ملابسه ، ولإنه كان يمر بأزمة مالية شديدة وهكذا أقفل ملف القضية ….
بعد حوالي أسبوعين تلقيت أمراً آخر بإخلاء شقة القاهرة واستأجار شقة مفروشة تطل على البحر في حي شعبي في أطراف مدينة الإسكندرية..













