بقلم: تيماء الجيوش
نور مهند الدوس هي طفلة سورية تبلغ ١٢ عاماً ، انتقلت حضانتها إلى والدها بعد الطلاق و زواج والدتها لتصبح في رعاية جدتها و أعمامها . منذ أسابيع قليلة تم قتلها على يد عمها و قام كلاً من والدها و عمها الآخر بالتستر على الجريمة و إخفاء معالمها. و بنتيجة تقرير الطبيب الشرعي فان الوفاة حدثت جراء نزيف داخلي حاد ناجم عن تعنيف و ضرب شديد لحق بالطفلة. هذا التعنيف لم يكن لمرة واحدة بل تم توثيقه و قُدِمت من قبل الأم بشأنه شكاوى رسمية لإثبات تعرض نور للتعنيف من والدها و أعمامها، حينها أجاب القاضي أن هذا التعنيف هو تأديب و تربية من جانب الأهل ولم يقم باتخاذ أي إجراء قضائي لحماية الطفلة المُعنفة بحسب ما ورد في وسائل التواصل الاجتماعي.
عن هذه الجريمة و كل جرائم العنف ضد المرأة و الفتيات ربما من الأجدى قراءتها قانوناً في هذه المساحة من منحى مختلف . و أول ما يجدر النقاش بشأنه تشريعاً هو تغيير القوانين و الحد من انتهاكاتٍ تعتمد بما نصّ عليه القانون نفسه ما يجعلها بعيدة كل البعد عن العدالة، بل تبيح الجرم و لا تمنح الحماية للفئات الضعيفة في المجتمع.
في هذا الملف تحديداً ملف نور من الممكن أن يتم تقديم الجاني أو الجناة إلى القضاء، محاكمتهم،تجريمهم و صدور أحكام بحقهم ، لكن تبقى هناك مسألة قانونية أخرى بالغة الأهمية تمنح المساحة لهروب الجناة من العقوبة ألا و هي إسقاط الحق الشخصي.
لا يختلف المشرعين و المحامين و الباحثين على ماهية و مدى عمق العلاقة الجدلية بين المجتمع و القوانين الناظمة فيه ، فالمجتمع هو مصدر يستند إليه القانون في سّن أحكامه و قواعده ليقوم و بالمقابل بحماية حقوق الأفراد، يعاقب الاعتداء عليها أو الانتقاص منها ، و هذا ما يؤدي إلى منع النزاع و الحفاظ على السلم المجتمعي.
من هنا برزت قاعدة إسقاط الحق الشخصي في التشريعات و القوانين لا سيما منها المدنية و الجزائية كما هو الحال في قانون العقوبات ، و القاعدة الفقهية هنا أن الصلح سيد الأدلة، حيث تنتهي تفاصيل النزاع بين المدعي و المدعى عليه مع التنازل . لكن هذه القاعدة تستند إلى ما هو موازٍ في أهميته للسلم المجتمعي ألا و هو احترام مبدأ إرادة الفرد الذي تم الاعتداء عليه في تقدير حقه ، في المصالحة عليه أو في التنازل عنه .
هذا الحال ممكن في القانون المدني أما في قانون العقوبات فهناك ما يزيد عن ذلك ويتعلق بالحق العام ، فالجريمة المرتكبة يمكن التنازل فيها عن الحق الشخصي ، لكن الحق العام الذي مداره حق الدولة و المجتمع لا يزول ، فلا تسقط الجريمة بل توقف الملاحقة القضائية بحق المتهم ، يتم تخفيف العقوبة الجزائية ، ليُصار إلى إصدار الحكم النهائي من قبل المحكمة المختصة.
و هذا حقيقةً ما نص عليه قانون العقوبات السوري في المادة ١٥٦ من قانون العقوبات على أن :
صفح المجني عليه في الأحوال التي يعلق فيها القانون إقامة الدعوى العامة على تقديم الشكوى أو الدعوى الشخصية يسقط دعوى الحق العام ويوقف تنفيذ العقوبات إلا إذا نص القانون على خلاف ذلك .
كذلك الحال في المادة ٤٣٤ من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي أكدت على ان الدعوى العامة تسقط مع سقوط الحق الشخصي في الحالات المنصوص عنها قانوناً .
جوهر ما يستند إليه إسقاط الحق الشخصي هو احترام مبدأ إرادة الفرد و حقه المطلق في التصرف بحقوقه إن كانت مدنية أو جزائية و في جرائم معينة بنص القانون على أن يستوفي شرطين أساسيين أولهما أن يصدر عن صاحب الحق و ثانيهما تمتعه بأهليته الكاملة، أو عمن ينوب عنه قانوناً من مثل الولي و الوصي. هذا محلياً أو سورياً و كذلك في العديد من الدول العربية .
من ناحية أخرى ومن حيث القوانين الدولية فإنه يُسمح بالتنازل عن الحقوق الشخصية والإجرائية فقط و دون ان يتجاوزها في القضايا الجزائية في أوروبا مع خضوعها لشروط دقيقة و هي مختلفة جذرياً عما ذُكِرَ أعلاه . و ليست متعلقة بالجرم نفسه و هذا هو الفارق الكبير ، فوفقاً لأحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وقانون الاتحاد الأوروبي، يجوز للمتهم التنازل عن بعض ضمانات المحاكمة العادلة (مثل الحق في الاستعانة بمحامٍ أو الحق في حضور المحاكمة)، شريطة أن يكون التنازل تم طواعية ، وواضحًا ومحاطًا بضمانات . هذا فيما يتعلق بالمتهم و ليس بالجرم أو الفعل الجرمي الذي يبقى محلاً للعقاب.
ولمنع الإكراه أو إساءة استخدام هذه القاعدة اي التنازل عن الحق الشخصي، تطبق المحاكم الأوروبية معيارًا عاليًا على أي تنازل عن الحقوق الأساسية ومنها أن يكون التنازل واضحًا، إما صراحةً أو من خلال سلوك لا لبس فيه. و أن يفهم الفرد تمامًا النتائج العملية والقانونية للتنازل عن ألا يتعارض التنازل مع أي مصلحة عامة أو مع عدالة النظام القضائي بشكل عام. كما يجب على السلطات تذكيرهم بشكل فعال بحقهم في إلغاء التنازل قبل اتخاذ خطوات تحقيقية رئيسية. إذاً الجرم يُعاقب عليه في القوانين الدولية و هذا يُعدُ جزءاً لا يتجزأ من العدالة ، و سير القضاء بما لا ينتهك الحقوق الأساسية للأفراد و أمنهم ، و لا يخضع لقاعدة الصلح التي نُصّ عليها في القانون السوري، و الذي أُسلِفَ سابقاً بما يُقصد به من التنازل عن حق شخصي و تخلي الضحية أو المدعي المتضرر عن دعاويه المدنية وحقه في التعويض من الجاني. ما يؤدي إلى سقوط دعوى الحق الخاص، ولكنه لا يُسقط تلقائيًا الحق العام (حق الدولة والمجتمع) إلا في حالات محددة والتي نص عليها القانون، كبعض الجرائم التي يشترط القانون فيها تقديم شكوى قبل الشروع في الإجراءات.
بالعودة إلى جريمة قتل نور ، ما يُخشى منه ان هذه الجريمة التي وقعت يمكن ان يتم فيها التنازل عن الحق الشخصي من قبل الأخ او العم او الجد .و بالتالي لن يبقى من العقوبة سوى الحق العام. و يذهب ملف آخر من ملفات العنف ضد المرأة و الفتيات إلى ادراجٍ لا تفيد و لا تنفع و دون أي فعل قانوني يُذكر. الولاية والوصاية ليست للام هنا ، بل هي للأب اي لوالد نور و لا زالت قائمة بالرغم من اعتقاله و ليس من غير القانوني أن يتقدم الجد أو الأخ أو العم و يتنازل عن الحق الشخصي . وهذا واقع مؤلم لجلاد الضحية حيث يستخدم القانون لينتهك العدالة و حقوق فتاة التي مُزقت مرتين ، مرةً في عدم الاعتداد بالأدلة من قبل المحكمة المختصة و العودة التقليدية إلى أن الأمر لا يتجاوز حدود التأديب و التهذيب ، و الثانية حين يقوم الجلاد بالعفو عن نفسه و إسقاطه للحق الشخصي.
الحماية القانونية للنساء والفتيات هي جزء لا يتحزأ من السلم المجتمعي . ما يجب أن تحميه القوانين هو حقوق النساء والفتيات من جميع إشكال العنف مع ضمان وصولهنّ إلى العدالة، وتوفير الوسائل الفعّالة لهذا الهدف.
و الحماية القانونية لها أهميةً خاصةً للفتيات، اللواتي قد يكنّ أكثر ضعفا و عرضةً للإيذاء والإكراه، واللواتي تتطلب حقوقهنّ ضمانات جذرية.
إنّ التشريعات لا تمتاز بالقوة إلا ان تم تنفيذها بحزم وقادرة على منع العنف، ومحاسبة الجناة، ومواجهة الممارسات الاجتماعية التي تُكرّس عدم المساواة. في نهاية المطاف، لا تُعدّ حماية النساء والفتيات من خلال القانون مسألة عدالة فردية فحسب، بل هي أيضاً أساسٌ جوهريٌّ للمساواة والكرامة الإنسانية وسيادة القانون. اليوم مثلي مثل العديد من نساء سوريا و نساء العالم اشعر بالخجل أمام ضحايا العنف من النساء و الفتيات ، اشعر بالخجل حين يقف القانون عاجزاً عن حمايتهم ، عاجزاً من ان ينصف ضحية لا حول لها ولا قوة ، من أن ينصف طفلة لم تتجاوز اثني عشر ربيعاً .














