بقلم: عادل عطية
هل أصبحت كرة القدم دينًا بديلًا للملايين؟ وهل صارت الملاعب بمنزلة دور العبادة، يؤمها المتحمسون مع كل مباراة، بينما يتابعها آخرون بشغف من منازلهم أو المقاهي؟
وهل أصبحت الأناشيد التي يرددها المشجعون، بكل ما تحمله من تأمل وإحساس بالانتماء إلى نادٍ معين، أشبه بالتراتيل والتواشيح الدينية؟
وإلا فكيف نفسر ذلك التأثير العجيب الذي تمارسه هذه اللعبة على النفوس؟ فهي توقظ في الإنسان التعاطف والحماس والانفعال، وربما تغرس فيه الأمل والرجاء بأن فريقه سيكون المنتصر، حتى إذا أحرز هدفًا امتلأ قلبه فرحًا وابتهاجًا.
وعندما تقع مآسٍ في الملاعب، كما حدث في هيسل، وهيليسبورو، وبرادفورد، ألا نرى مظاهر التعاطف الجماعي والحزن العميق التي تقارب ما يحدث في التجمعات الدينية؟ وعندما تبدأ بعض المباريات بالوقوف دقيقة صمت حدادًا على الضحايا، أليس في ذلك مشهد يحمل معاني الإجلال والاحترام التي تميز المناسبات ذات الطابع الروحي؟
ثم ألا يضاهي تعلق بعض الجماهير بلاعبيهم المفضلين تعلق الناس بشخصيات عظيمة في تاريخهم، حتى يصبح اللاعب قدوة ورمزًا تتعلق به القلوب؟
إن هذه الظواهر كلها تؤكد أن كرة القدم أصبحت، بالنسبة إلى كثيرين، أكثر من مجرد لعبة رياضية. غير أن المشكلة لا تكمن في اللعبة نفسها، بل في أن بعض الناس يمنحونها مكانة لا تستحقها، فتملأ فراغًا داخليًا يعكس احتياجًا روحيًا عميقًا.
فالإنسان ليس جسدًا فقط، بل هو جسد وروح. وكما يحتاج الجسد إلى الطعام والماء والمأوى، تحتاج الروح أيضًا إلى ما يشبعها ويمنحها السلام. ولا تستطيع كرة القدم، ولا المال، ولا العمل، ولا الشهرة، ولا حتى أرقى العلاقات الإنسانية، أن تروي هذا العطش الروحي؛ لأن الإنسان خُلق وفي داخله توقٌ إلى معرفة الله والارتباط به.
إن الله يريد لنا أن نستمتع بكل جوانب الحياة، بما فيها الرياضة، فكل عطية صالحة هي منه.
تبقى كرة القدم لعبةً عظيمة، لكنها تظل لعبة في نهاية المطاف. أما القلب البشري فقد خُلق لما هو أعظم من أي انتصار عابر أو بطولة زائلة. إنه خُلق ليعرف الله ويجد فيه شبعه وراحته. لذلك، فليس السؤال: هل نشاهد كرة القدم أم لا؟ بل السؤال الأهم: ما الذي يحتل المركز الأول في قلوبنا؟ فعندما يبقى الله أولًا، تستقيم بقية الأشياء، وتأخذ كل نعمة مكانها الصحيح، فتكون مصدرًا للفرح، لا بديلًا عن مصدر الفرح الحقيقي.
وهكذا يبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا على نفسه: هل نتجه إلى خالقنا، فنقيم معه علاقة شخصية حية، أم نصنع لأنفسنا إلهًا من صنع أيدينا، ثم نطلق عليه اسم: «كرة القدم»؟














