يشكّل قانون علمانية الدولة وقانون تعزيز العلمانية في شبكة التعليم، (المعروفان على التوالي على نطاق واسع بـ’’القانون 21‘‘ و’’القانون 94‘‘ نسبةً إلى الرقم الذي حمله كل منهما كمشروع القانون قبل أن يصبح قانوناً)، واللذان أُقرا من قِبل حكومة حزب التحالف لمستقبل كيبيك (’’كاك‘‘ CAQ)، مصدرَ قلق بالغ للنساء المحجبات في مقاطعة كيبيك، ومن ضمنها منطقة أوتاويه في غرب المقاطعة، اللواتي يقلن إنهن بدأن يشعرن بأنهن ’’يختنقن‘‘ في المقاطعة الكندية الوحيدة ذات الغالبية الناطقة بالفرنسية، كما جاء في تقرير ميداني لموقع راديو كندا.
والمقاطعة على موعد مع انتخابات تشريعية عامة في 5 تشرين الأول (أكتوبر) المقبل. ودُعيت الجالية الإسلامية في أوتاويه إلى ممارسة حقها في التصويت لانتخاب حكومة كيبيكية تتوافق مع قيمها. وعُقدت ندوة لمساعدتها على فهم القضايا المطروحة في الحملة الانتخابية الحالية.
ترتدي ليلى زراعلي حجاب الرأس الإسلامي، وهي عضوة في مجلس إدارة المركز الإسلامي لمنطقة أوتاويه (CIO). وهذه الأم لثلاثة أطفال ناشطة جداً في مجتمعها المحلي.
وبالنسبة إلى زراعلي الحاصلة على شهادة في إدارة الأعمال، فإنّ التوجه إلى صناديق الاقتراع هو أكثر من مجرّد حق، إنه واجب.الكثير من النساء المحجبات ذوات الكفاءة العالية، وحتى من الفتيات الشابات اللواتي وُلدن ونشأن هنا، بدأن يُفكرن في الانتقال إلى مقاطعة أونتاريو، إلى أوتاوا أو مدن أُخرى، لأنهنّ يشعرن بأنّ لا مستقبل لهنّ هنا. وهذا أمر خطير للغاية.نقلا عن ليلى زراعلي، عضوة في مجلس إدارة المركز الإسلامي في أوتاويه.
وترى زراعلي أنّ القانونيْن 21 و94 يبتعدان عن روح الشرعة الكندية للحقوق والحريات المكرَّسة في الدستور الكندي.

ويصعب على زراعلي، الفرنسية المولودة لأبويْن مغربييْن والتي قدمت إلى كندا قبل ثلاث سنوات، أن تفهم كيف يمكن إخضاع النساء في مقاطعة كندية لمثل هذه القيود، في حين يُنظر إلى كندا على أنها ’’بلد حرية المرأة‘‘.
وعلى سبيل المثال، رُفض طلب أُم من منطقة أوتاويه للقيام بعمل تطوعي في إحدى مدارس غاتينو، كبرى مدن المنطقة، مع بدء العام الدراسي الحالي بسبب القانون رقم 94.
يُذكر أنه خلال المناقشات التي سبقت إقرار مشروع قانون علمانية الدولة (مشروع القانون 21) في حزيران (يونيو) 2019، قالت حكومة حزب التحالف لمستقبل كيبيك برئاسة فرنسوا لوغو مراراً وتكراراً إنّ هذا القانون يستجيب لإرادة سكان كيبيك وإنه يأتي في سياق الاستمرار المنطقي للثورة الهادئة (la Révolution tranquille) وعملية إزالة الطابع الديني عن النظام التعليمي في كيبيك.
ويحظر قانون علمانية الدولة على القضاة والمدعين العامين وأفراد الشرطة وحراس السجون والمعلمين في المدارس الابتدائية والثانوية العامة، وأيضاً على رئيس الجمعية الوطنية ونوابه، ارتداءَ الرموز الدينية على اختلافها خلال دوام العمل.
ومصير هذا القانون، الذي استخدمت حكومة لوغو بند الاستثناء (clause dérogatoire / notwithstanding clause) لتجنيبه طعوناً قضائية، بات بين أيدي قضاة محكمة كندا العليا، أعلى سلطة قضائية في البلاد.
أمّا قانون تعزيز العلمانية في شبكة التعليم (مشروع القانون 94)، فينصّ على توسيع نطاق حظر ارتداء الرموز الدينية ليشمل الطلاب وجميع موظفي المدارس العامة، إضافة إلى الأشخاص الذين يعملون في إطار اتفاقيات مع المؤسسات التعليمية.
وعلى سبيل المثال، يشمل القانون المربيات في دور الحضانة، والمستشارين التربويين، والأخصائيين النفسيين، والمتطوّعين في المكتبات، والبوّابين، وموظفي الكافيتيريات، ومدرّبي رياضة الهوكي في إطار مشاريع معينة.
وأقرّت الجمعية الوطنية مشروع القانون 94 في تشرين الأول (أكتوبر) 2025، بعد سنة على صدور تقرير التحقيق بشأن مدرسة ’’بيدفورد‘‘ الابتدائية في مونتريال الذي كشف أنّ مجموعة من المعلمين، معظمهم من أصول مغاربية، فرضت طيلة سنوات مناخاً ساماً من الخوف والترهيب في المدرسة.
أهمية إيصال الصوت
لا يتردد المدير العام للمركز الإسلامي لمنطقة أوتاويه، إبراهيم سبليل، في القول إنّ انتخابات 5 تشرين الأول (أكتوبر) ستكون حاسمة بالنسبة إلى الجالية الإسلامية.

وقبل انطلاق الحملة الانتخابية بوقت طويل، نظّم المركز ندوةً بعنوان ’’واجبنا كمسلمين‘‘. واستقطبت هذه الجلسة التوعوية، التي قدّمتها محامية وطالبُ طب، نحواً من 60 مشاركاً، وفقاً لسبليل.
وكان الهدف من الندوة توعية أفراد الجالية الإسلامية بالبرامج السياسية لمختلف الأحزاب المشاركة في الانتخابات، ولا سيما بمساعدة ’’البوصلة الانتخابية‘‘ التي أعدّها راديو كندا.
’’الفكرة ليست أن نقول للناس لمن يصوّتون‘‘، يؤكّد المدير العام للمركز الإسلامي في أوتاويه، قبل أن يضيف أنه يؤيد مبدأ العلمانية. غير أنه يرى أنّ قانون العلمانية الذي أقرته حكومة حزب التحالف لمستقبل كيبيك ’’صارم أكثر من اللازم ويفتقر إلى الانفتاح‘‘.لا نريد أن تتدخل الكنيسة أو الدين في السياسة، لكن ما يحدث الآن هو أنّ السياسة هي التي تتدخل في شؤون الأديان. لدينا حكومة تُملي علينا ما يجب أن نرتديه وما يجب ألّا ترتديه. (…) هذا قمع، وهذا اضطهاد، وهو أمر لا يمكن تصوّره في بلد ديمقراطي.نقلا عن ابراهيم سبليل، المدير العام للمركز الإسلامي لمنطقة أوتاويه
العمل دون التضحية بالمعتقدات الدينية

والتقى راديو كندا، عند خروج المُصلين من صلاة الجمعة، بسعاد كيبي بالقرب من المسجد. وصلت هذه الشابة إلى كندا وهي في الرابعة عشرة من عمرها، وهي تعمل حالياً كمُساعِدة رعاية صحية في غاتينو.
ويثير القانونان 21 و94 قلقها الشديد، إذ كان لهما عواقب فعلية على عائلتها. فقد اضطرت شقيقة زوجها، التي ترتدي الحجاب، إلى الانتقال إلى أونتاريو المجاورة لممارسة مهنتها كمعلمة مدرسة.
وتقول كيبي إنها ستصوّت لمرشح حزب يتيح للنساء في جاليتها الإسلامية ممارسة المهنة التي يخترنها، مع التزامهنّ بدينهنّ في الوقت نفسه.

الكاتبة منية مازيغ تناضل في سبيل حقوق المرأة منذ سنوات عديدة. وترى مازيغ، التي تدرّس في جامعة كارلتون في أوتاوا، أنّ السياسات الكيبيكية للدفاع عن العلمانية هي ’’تمييزية‘‘.
’’العلمانية موجودة بالفعل، ويمكن تعزيزها بطرق أُخرى، ولكن ليس من خلال إبعاد النساء عن سوق العمل‘‘، تقول مازيغ الحاصلة على دكتوراه في العلوم المالية من جامعة ماكغيل في مونتريال.
ومازيغ، التونسية المولد والتي هاجرت إلى كندا عام 1991، تتمسّك بالأمل وتواصل إيمانها بالديمقراطية.
رؤىً متباينة بشأن علمانية الدولة

النائبة المنتهية ولايتها سوزان ترامبليه رفضت طلب راديو كندا إجراء مقابلة معها، إلّا أنها أجابت عبر البريد الإلكتروني بأنها تؤمن بعلمانية الدولة، ودافعت عن القانونيْن 21 و94.
’’هذان القانونان لا يستهدفان ديناً أو جماعة معينة، إنما يعبّران عن خيار المجتمع الكيبيكي بشأن الحياد الديني للدولة ومؤسساتها‘‘، كتبت ترامبليه التي تترشّح مجدداً تحت راية حزب التحالف لمستقبل كيبيك ودوماً في دائرة ’’هول‘‘ (Hull) في غاتينو.
وتقول ترامبليه إنّها تتفهّم وجود نساء يختلفن مع خيارات حكومتها، وتؤكّد أنها تحترم هذا الأمر، وتضيف في رسالتها أنها ’’مستعدة لمواصلة الحوار مع أفراد الجالية الإسلامية في منطقة أوتاويه‘‘.
مرشح الحزب الليبرالي الكيبيكي (PLQ) في الدائرة نفسها، ساشا كانون، ذكّر بأنّ حزبه، الذي شكّل المعارضة الرسمية في الجمعية الوطنية الكيبيكية منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2018، عارض القانونيْن 21 و94.
وبعد أن رفض هو أيضاً طلب راديو كندا إجراء مقابلة معه، أوضح في ردّ مكتوب أنّ ’’بإمكان كيبيك تأكيد طابعها العلماني من دون تقييد الحقوق الأساسية للمواطنات والمواطنين بسبب دينهم‘‘.

من جهته، قال حزب التضامن الكيبيكي (QS) اليساري إنه ملتزم ’’بإلغاء جميع مواد القانون التي تفرض شكلاً من أشكال التمييز على أساس ارتداء رمز ديني‘‘.
وأضاف في ردّ مكتوب أنّ رؤيته للعلمانية تقوم على مبدأ حيادية الدولة والمؤسسات العامة، ’’لا على (حيادية) الأشخاص الذين يعملون فيها أو يتلقون خدمات منها‘‘.
أمّا في الحزب الكيبيكي (PQ) الداعي لاستقلال مقاطعة كيبيك عن الاتحادية الكندية، فقال الملحق الصحفي أليكساندر تانغي لراديو كندا إنّ الالتزامات المتعلقة بهذا الموضوع ’’سيُعلَن عنها في الوقت والمكان المناسبيْن خلال الحملة الانتخابية‘‘.
ومن جانب حزب المحافظين الكيبيكي (PCQ) لم يردّ أحد على طلب راديو كندا إجراءَ مقابلة حول الموضوع.
(نقلاً عن راديو كندا)









