بقلم: عادل عطية
من الخطأ أن نظن أن جميع الناس أسرى لشهواتهم، تشتعل مشاعرهم فور رؤية امرأة، أو سماع صوتها، أو مصافحتها. ومن الخطأ أيضاً أن نُكثِر من الممنوعات والمحظورات حتى تتحول إلى سلوكيات قمعية تلوّث بعض النفوس البريئة بالريبة، وتصبغ العلاقات الإنسانية الطبيعية بصبغة لا تستحقها.
كنت متجهاً إلى محطة القطارات حين مررت ببائع الصحف لأشتري مجلتي المفضلة. أحضرت زوجته المجلة ووضعتها على الطاولة أمامها. في البداية لم أدرك أنها لا تريد أن تسلمني المجلة بيدها، وبينما كنت أناولها ثمنها طلبت مني أن أضع النقود على الطاولة كي تتمكن من أخذها.
لم أتوقع هذا التصرف المفاجئ، فشعرت أولاً بالحرج ثم بالغضب؛ وكأنني مصاب بداء مُعدٍ، أو كأن مجرد ملامسة يدي ليدها قد تقود إلى الفحشاء!
كنت ذاهباً لقضاء مهمة ما، وكان جلّ تفكيري منصباً على اللحاق بالقطار وإتمام ما خرجت من أجله. لكن البائعة أبت إلا أن تذكرني بأن هناك ذكراً وأنثى. وبدلاً من أن يظل الأمر مجرد معاملة عابرة بين بائع ومشترٍ، لا تترك أثراً في الذاكرة، تحوّل إلى موقف عالق في الذهن، يعيد العقل قراءته مرة بعد أخرى، وربما يحتفظ بتفاصيله وتفاصيل صاحبته زمناً طويلاً.
وعندما كنت أستقل المترو قبل تخصيص عربات للنساء، لم أكن أنظر إلى الركاب من حولي إلا باعتبارهم بشراً، لكل منهم وجهته وهدفه. أما الآن، فإذا تركت امرأة العربة المخصصة للنساء وركبت في عربة مختلطة، وجدت نفسي أتساءل: لماذا فعلت ذلك؟ وهكذا وضعها هذا الفصل في بؤرة اهتمامي، على عكس ما أراده صانعو الأسوار.
وكم شاهدت مباريات دولية كان فريقنا القومي يكافح فيها من أجل الفوز، وكان اهتمامي كله منصباً على متابعة الكرة لعلها تسكن شباك المنافس. ثم جاء من يحذرنا من مشاهدة تلك المباريات لأن الكاميرات قد تنقل صوراً لفتيات شبه عاريات. عندها وجدت نفسي ألتفت إلى أمر لم يكن يخطر ببالي أصلاً، لا رغبة في النظر إلى الفتيات، بل رغبة في التحقق من صدق أولئك الذين لفتوا انتباهنا إلى شيء لم يكن حاضراً في وعينا.
ورأيت يوماً مشهداً في مسلسل ديني لرجل يتجه إلى محل لبيع الأقمشة. وفي تلك اللحظة قامت شابة كانت تجلس على مقعد حجري بعدما تسلمت طلبها من البائع. وحين أراد الرجل الجلوس في مكانها منعه البائع قائلاً: «لا تجلس عليه الآن حتى يبرد من حرارة جسدها!».
لقد عشت عمراً أجلس في أماكن جلس عليها رجال ونساء وفتيات، ولم يخطر ببالي قط أن المقعد ما زال يحمل حرارة من سبقني إليه. لكن ذلك المشهد جعلني أنتبه إلى أمر لم أكن أفكر فيه مطلقاً، وظل يطرق ذهني زمناً حتى تمكنت من التخلص من فكرته وإخراجها من رأسي.
أيتها العفة، كم جُرحت باسمك براءة المشاعر، وكم أُثقلت النفوس بأوهام لم تكن تعرفها!














