بقلم: لمياء موسى
ننساب في بحرٍ طاقيٍّ من الحب الإلهي اللامشروط، ومن فيض هذا الحب تبدّى الوجود، ويأتي العشق بوصفه أحد أسمى تجليات هذا الحب وأعمقها أثرًا في النفس. ولعلّ أشجى صوره وأغورها هو عشق الروح؛ ذلك الاختبار المهيب والمعلّم الأعظم، والألم العذب الذي تتوق إليه النفس وتخشاه في آنٍ واحد، لأنه لا يطرق الأبواب ليمنح الطمأنينة، بل ليوقظ ما نام في الأعماق ويكشف ما استتر خلف الأستار.
فإذا حلّ العشق بالروح، وقف العقل عاجزًا عن عقلنته أو إخضاعه لقوانينه الصارمة؛ إذ يتجاوز حدود المنطق ليقيم في فضاءات أرحب من التفسير والتعليل، فتبدأ رحلة شاقة ومقدسة نحو الحقيقة والاكتمال. ففي أتونه تنصهر الأنا جزءًا بعد جزء، حتى تتحرر النفس من متاهة الثنائية وأوهام الانفصال، وتتهاوى الهويات الزائفة، وتنكشف أردية النفس المتراكمة، وتغادر ذلك «الماتريكس» المريح الذي اعتادت الإقامة فيه. هناك تتلاشى الحجب التي صنعتها الخوف والعادة والتآلف، لتواجه ذاتها كما هي؛ بلا زيفٍ ولا ادعاء، حقيقةً قد تبدو في بدايتها مخيفةً مرهقةً، فيلوذ المرء بسجنه القديم وأوهامه المألوفة، لكنه يكتشف أن النكوص سيكون أشد ألمًا.
ومع كلِّ مرتبةٍ من مراتب اليقظة، ينكشف نورُ الروح، ويُعاد للنفس بريقها الخافت. يتجلّى كحكيمٍ عارفٍ يلم شظايا الذات المتناثرة، متجاوزًا إباءها، فينفذ جراحاتٍ عميقةً بلا مخدّر، ليعيد ترتيب أجزائها من جديد.
فالعشق ليس مجرد انجذابٍ إلى آخر، بل رحلة عودة إلى الذات عبر مرآة الآخر، ليواجه الإنسان ما هرب منه طويلًا، يؤلم ليشفي، ويهدم ليبني، ويكسر القيود القديمة ليفتح أبوابًا جديدةً للوعي والنور والحياة. فما يبدو في البداية انهيارًا ليس إلا إعادة تشكّل، وما يُظنّ أنه فقدان ليس إلا ولادةً أخرى للنفس في صورةٍ أكثر صدقًا ونقاءً، حتى يبلغ من النضج والصفاء ما يجعله أكثر اتساعًا ووعيًا وقدرةً على الاحتواء.
وعندما تكتمل دوائر الفهم، وتتصالح النفس مع جراحها وظلالها، تستعيد توازنها وانسجامها مع روحها، وتتوافق مع إيقاع الوجود ونداء ذاتها العليا. عندئذٍ يدرك الإنسان أن العشق لم يأتِ ليمنحه شخصًا فحسب، بل ليمنحه نفسه من جديد؛ أكثر وعيًا، وحياةً، وقدرةً على الحب، وأكثر استعدادًا لأن يرى الوجود بعين القلب والعقل، بعد أن ظلّ طويلًا يراه بالعقل وحده.














