بقلم / مسعود معلوف
سفير متقاعد
يتساءل المراقبون عن مستقبل منطقة الشرق الأوسط بعد وقف الهجمات الإسرائيلية-الأميركية على إيران، وبعد توقيع ورقة التفاهم الأميركية-الإيرانية وبدء المفاوضات بين الدولتين في سويسرا. وينطلق المراقبون في تحليلاتهم من القناعة بأن كلا من إيران والولايات المتحدة وإسرائيل لها مصلحة واضحة في إنهاء الحرب إذ أن إيران خسرت الكثير بسبب تدمير قسم غير قليل من منشآتها النووية والصاروخية والباليستية والمدنية كما تعرضت لخسائر في الأرواح تزيد عن الثلاثة آلاف قتيل، والولايات المتحدة تكلفت حتى الأن أكثر من مائة مليار دولار بالإضافة الى تدمير عدد من طائراتها وخسارة عدد من الطيارين، وإسرائيل أيضا تعرضت لخسائر هامة سواء في الأرواح أو في المنشآت، علما أنه لم يتحقق أي من الأهداف المعلنة لهذه الحرب من قبل إسرائيل والولايات المتحدة.
ولكن بالرغم من ذلك، ليس هنالك من أفق واضح لما يمكن أن تؤول إليه هذه المفاوضات، خاصة وأن الشروط التي تضعها كل من إيران والولايات المتحدة تبدو غير مقبولة على الإطلاق للفريق الآخر، وأن انطلاق المسار التفاوضي يتم على خلفية من التهديدات المتبادلة التي لا توحي بالتفاؤل بإمكانية الوصول الى النتائج المرجوة.
هنالك الآن مساران من المفاوضات، المسار الأميركي-الإيراني الذي بدأ في سويسرا، والمسار اللبناني-الإسرائيلي الذي أصبح في جولته الخامسة في واشنطن برعاية أميركية، ولكن كلا من هذين المسارين من المفاوضات يتعرض لعقبات وصعوبات كبيرة للغاية.
يعتقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن لغة التهديد من شأنها أن تساعد وفده المفاوض في سويسرا على الوصول الى ما يريد تحقيقه، فما أن بدأت المفاوضات بين الوفدين في سويسرا حتى أطلق تغريدة يهدد فيها أنه سيسيطر على مضيق هرمز في حال فشل المفاوضات مضيفاً اليها تهديداً مباشراً للوفد الإيراني بأنه قد لا يتمكن بعد ذلك من العودة الى بلاده! فتعطلت عندئذ المفاوضات وتوقفت بعض الشيء، وما لبث رئيس الوفد الإيراني أن أطلق بدوره تغريدة لا تخلو من التهديد الواضح والقوي للولايات المتحدة.
هذه المفاوضات ما زالت في بداياتها، وهي ستبحث تفاصيل المبادئ العامة التي وافق عليها الفريقان في مذكرة التفاهم، ولكن هذه المبادئ العامة الواردة في المذكرة فيها من الصعوبات التطبيقية ما يحمل على التشاؤم في إمكانية التوصل الى نتيجة مرضية للفريقين في فترة الستين يوماً المتفق عليها، مع العلم أن المفاوضات التي أدت الى التوصل الى الإتفاقية النووية عام 2015 أيام الرئيس الأسبق باراك أوباما استغرقت حوالى السنتين، والرئيس ترامب كان اعتبر تلك الإتفاقية من أسوأ الإتفاقات التي عقدتها الولايات المتحدة في تاريخها وانسحب منها عام 2018، فكيف له أن يتوصل الآن الى اتفاقية أفضل منها في هذه الفترة الزمنية القصيرة؟
ما يجعل التنبؤ بما يمكن أن يحصل صعباً للغاية هو أن الملفات المطروحة للتفاوض معقدة جدا إذ أن حلاً دبلوماسياً لهذه الأوضاع مستبعد كما أن العودة الى الحرب من قبل الولايات المتحدة أمر صعب أيضا رغم التهديدات التي يطلقها باستمرار الرئيس ترامب إذ بالرغم من ما قام به مع إسرائيل من هجمات أدت الى تدمير قسم غير قليل من المنشآت الإيرانية عامة وقتل القيادة الإيرانية في الأيام الأولى من الحرب، فإن ذلك لم يسمح لترامب ونتنياهو من تحقيق أي من الأهداف المعلنة، فماذا يستطيع أن يحقق الآن الرئيس ترامب في حال العودة الى الحرب غير المزيد من الدمار في إيران؟ يضاف الى ذلك ان ثلثي الأميركيين هم ضد الحرب وهذا ما سيجعل ترامب يتردد كثيراً قبل القيام بعمليات عسكرية مجددا والولايات المتحدة ستشهد انتخابات تشريعية في مطلع شهر نوفمبر ومن المرجح أن يخسر حزب الرئيس ترامب الجمهوري الأكثرية التي يتمتع بها حالياً في مجلس النواب ومجلس الشيوخ التابعين للكونغرس.
وما يزيد الأمر غموضاً هو موقف نتنياهو من هذه المفاوضات، إذ أنه أكثر المتضررين من أي اتفاق يمكن أن يحصل بين الولايات المتحدة وإيران، فهو قد أخذ إسرائيل واستدرج الولايات المتحدة الى هذه الحرب معلنا هدفين واضحين: تغيير النظام في إيران وتدمير القدرة العسكرية والنووية الإيرانية بالكامل، وهو لم يتمكن من تحقيق أي من هذين الهدفين مع التوضيح ان أي اتفاق أميركي-إيراني من شأنه أن يعزز النظام في إيران وان لا يوقف دعم الجمهورية الإسلامية لأذرعها في المنطقة وخاصة حزب الله الذي يسعى نتنياهو بكل طاقته الى إنهائه.
منذ أيام قليلة، وجه مكتب المخابرات الأميركية تقريراً الى البيت الأبيض مفاده أن إسرائيل ستسعى الى عرقلة المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة من أجل عدم التوصل الى اتفاق بين الدولتين. وبما أن نتنياهو يرى صعوبة في القيام بعمليات عسكرية أحادية مباشرة ضد أيران في الوقت الذي تتفاوض فيه هذه الأخيرة مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب، فهو يحاول العرقلة عبر البوابة اللبنانية إذ يستمر في العمليات العسكرية ضد لبنان مدعيا أنه يحارب حزب الله الذي يشكل خطراً كبيراً على السكان الإسرائيليين قرب الحدود اللبنانية حسب ادعائه، وقد ورد في البند الأول من مذكرة التفاهم التي وقع عليها كل من إيران والولايات المتحدة موافقة الولايات المتحدة على إيقاف العمليات الحربية على جميع الجبهات بما فيها لبنان. وبذلك يحاول نتنياهو العرقلة عبر حمل إيران إما على الرد عسكريا على إسرائيل وبذلك تكون قد خرقت اتفاق وقف إطلاق النار، أو أن تنسحب من المفاوضات وهذا ما قامت به في البداية الى أن ضغطت الولايات المتحدة على إسرائيل من أجل وقف هجماتها داخل الأراضي اللبنانية.
ما يحمل نتنياهو على الإستمرار في القيام بحروب لا تنتهي هو ان إسرائيل ستشهد انتخابات تشريعية في السابع والعشرين من شهر أوكتوبر/تشرين الأول القادم، وفي حال فشل حزب الليكود في هذه الإنتخابات فإن نتنياهو لن يعود الى رئاسة الحكومة ومن المرجح جدا أن يدخل السجن نتيجة للمحاكمات التي يتعرض لها والمتوقفة حالياً بسبب الحصانة التي يتمتع بها كرئيس للحكومة، لذلك نراه يحاول إقناع الناخب الإسرائيلي بأنه يدافع عن إسرائيل على عدة جبهات وأنه قد بدأ بتحقيق إسرائيل الكبرى، كل ذلك من أجل الفوز في الإنتخابات والإستمرار في الحكم وعدم دخول السجن.
ليس من الواضح الآن إن كان نتنياهو سينجح في عرقلة وتعطيل التوصل الى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، ومع أنه الآن وافق على وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية، إلا أنه أعلن أن الجيش الإسرائيلي سيبقى في الشريط الحدودي داخل الخط الأصفر الذي رسمه في الأراضي اللبنانية، وهذا ما لن تقبل به إيران إذ أنها تصر على ضرورة خروج الجيش الإسرائيلي من كامل الأراضي اللبنانية قبل أن توافق على فتح مضيق هرمز بعد أن أقفلته من جديد بسبب عدم احترام إسرائيل لوقف إطلاق النار في لبنان واستمرارها في احتلال أراضٍ لبنانية.
هذا على مسار ما يجري بين الولايات المتحدة وإيران، أما فيما يتعلق بمسار المفاوضات بين إسرائيل ولبنان والتي بدأت الجولة الخامسة منها يوم الإثنين في الثاني والعشرين من شهر يونيو/حزيران الجاري، فإن الغموض أيضاً يكتنف هذا المسار إذ أن لبنان يشدد على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانية وإعادة إعمار القرى المدمرة وعودة السكان إليها، بينما إسرائيل تتحدث عن رغبتها بعقد اتفاق سلام وتطبيع العلاقات مع لبنان وهذا لا يمكن أن يحصل في الظروف الراهنة.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، يصعب إن لم يكن يستحيل تحديد ما يمكن أن تؤول اليه الأمور في المنطقة. فمع قناعتنا بأن الدول الثلاث المعنية بالحرب لها مصلحة في التوصل الى حل سلمي، إلا أن هنالك اعتبارات من شأنها أن تجعل الغموض يسيطر على الأوضاع. فالرئيس ترامب يصرح بأمر ما ثم ما يلبث أن يقول عكسه، فكم مرة هدد بتدمير إيران بالكامل وكم مرة ادعى ان النظام الإيراني تغير وكم مرة أشاد بالقادة الإيرانيين الجدد ثم ما لبث أن هددهم كما هدد بإزالة إيران من الوجود، وكيف أنه، بعد أن طالب إيران بالإستسلام غير المشروط نراه الآن يسعى جهده للوصول الى اتفاق لدرجة انه وبخ نتنياهو وأهانه لأن أعماله في لبنان من شأنها أن تعطل الإتفاق مع إيران.
من جهة ثانية، لا أحد يستطيع في الوقت الحاضر ان يتكهن إن كانت مساعي نتنياهو المتواصلة ستنجح في تعطيل الإتفاق أو ربما عرقلته لاحقا في حال حصوله، أو أن إيران ستنسحب من الإتفاق بسبب مواقف نتنياهو، كما أن السؤال الهام يبقى إن كانت إيران ستوافق على إعطاء ترامب اتفاقية أفضل من اتفاقية عام 2015 لأنه بحاجة ماسة الى مثل هذه الإتفاقية لتبرير انسحابه من الإتفاقية السابقة، وكل هذه التساؤلات لن نجد لها الجواب المناسب في المستقبل المنظور، لذلك سنرى الغموض مسيطراً في المنطقة الى ان يحصل تطور إيجابي غير متوقع حاليا في المفاوضات، وهذا ما نتمنى حصوله، لأن نتيجة المفاوضات وما سيتم الإتفاق عليه إن نجحت سيكون لها تأثير كبير على كامل منطقة الشرق الأوسط، وكذلك عدم التوصل، لا سمح الله، الى أي اتفاق، سيكون له أيضاً تأثير كبير وإن في طرق مختلفة.














