بقلم / مسعود معلوف
سفير متقاعد
حتى قبل أن تبدأ الجولة الأولى من المفاوضات المباشرة في واشنطن بين سفراء لبنان وإسرائيل برعاية وحضور وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو في منتصف شهر ابريل/نيسان الماضي، تعمق الخلاف الداخلي في لبنان بين مؤيد للتفاوض آملا من ذلك إنهاء الإعتداءات الإسرائيلية وعودة النازحين الى الجنوب وإعادة الإعمار، وبين معارض لهذا المسار لقناعته بأن إسرائيل لا تحترم اي اتفاق توقعه، ورافضا مبدأ التفاوض المباشر مع الإسرائيليين تحت وطأة القصف والتدمير والتهجير.
جدير بالتذكير هنا أن إسرائيل شنت هجمات متعاقبة على لبنان بعد أن قام حزب الله بما عرف بعملية إسناد غزة في الثامن من أوكتوبر/تشرين الأول 2023، كما أنها قتلت قيادات حزبية لبنانية بمن فيهم الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، الى أن تم التوصل الى اتفاق لوقف إطلاق النار برعاية أميركية وفرنسية في السابع والعشرين من شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
ولكن إسرائيل لم تلتزم بوقف إطلاق النار الذي وافق حزب الله على بنوده بل استمرت بالقيام باعتداءات متكررة على الجنوب اللبناني والبقاع والضاحية الجنوبية دون أن يقوم حزب الله بأي رد عسكري على كل هذه الخروقات الإسرائيلية لمدة خمسة عشر شهرا. ولكن بعد أن بدأت الحرب الإسرائيلية-الأميركية على إيران في الثامن والعشرين من شهر فبراير/شباط الماضي، وجه الحزب عدة قذائف نحو الشمال الإسرائيلي معلناً أن هذا العمل هو انتقام لمقتل المرشد الأعلى في إيران آية الله علي خامنئي.
تذرعت عندئذ إسرائيل بهذه العملية المحدودة لحزب الله والتي لم ينتج عنها خسائر في الأرواح أو أضرار مادية ملموسة كي تبدأ حملة تدميرية واسعة في الجنوب اللبناني والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت ما أدى الى تهجير مليون ومائتي ألف مواطن لبناني من الجنوب (ما يعادل خُمس إجمالي سكان لبنان) وتدمير المنازل والمنشآت المدنية والجسور وقتل ما يزيد عن ثلاثة آلاف مواطن لبناني وجرح حوالى عشرة آلاف آخرين، علماً أن قسماً كبيراً من الضحايا هم من المدنيين والنساء والأطفال والمسعفين الصحيين.
بعد أن بدأت إسرائيل هجماتها التدميرية على لبنان في الثاني من شهر آذار/مارس الماضي ردا على عملية الحزب، وسعياً الى إيقاف هذه العمليات الإسرائيلية الوحشية، دعا الرئيس اللبناني جوزاف عون الى إجراء مفاوضات مع إسرائيل ولكن هذه الأخيرة تجاهلت الدعوة الى أن أعلن الرئيس ترامب التوصل الى اتفاق لوقف إطلاق النار بين البلدين في منتصف شهر ابريل/نيسان الماضي وبدء جولة أولى من المفاوضات في واشنطن، مع تركيز، في الاتفاق، على أن يقوم لبنان بسحب السلاح من حزب الله.
لا بد من التذكير هنا انه، عند انتخاب الرئيس جوزاف عون في بداية عام 2025 وفي خطاب القسم الذي القاه بعد انتخابه، شدد على ضرورة تطبيق مبدأ حصرية السلاح لدى الدولة اللبنانية وأن لا يكون هنالك مجموعات مسلحة خارج إطار الدولة التي تملك وحدها قرار الحرب والسلم. وبعد تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة الدكتور نواف سلام، تبنت هذه الحكومة بياناً وزارياً يركز على مسألة حصرية السلاح لدى الدولة، وقد وافق المجلس النيابي على هذا البيان الوزاري بكل مندرجاته حسب الأصول الدستورية.
وتطبيقاً لهذه السياسة، كلف مجلس الوزراء قيادة الجيش تطبيق خطة حصرية السلاح أولا في منطقة جنوب الليطاني، وفي مرحلة ثانية في شمالي هذه النهر. وبعد عدة أشهر، حضر قائد الجيش الى مجلس الوزراء حيث أبلغ الحكومة أن الجيش اللبناني أنهى المرحلة الأولى من الخطة وسيبدأ قريبا تطبيق المرحلة الثانية شمالي نهر الليطاني.
وكم كانت المفاجأة كبيرة على الجميع عندما بدأت إسرائيل بتنفيذ عملياتها العسكرية في الجنوب اللبناني حيث تبين أن حزب الله ما زال يملك مخزوناً كبيراً من الصواريخ والأسلحة والمسيرات، كما أن لديه أنفاقاً عميقة في الجنوب مليئة بمختلف أنواع الأسلحة، وكل ذلك أدى الى تعميق الخلاف الداخلي في لبنان إذ بدأ أخصام الحزب يتهمونه بأنه أعطى إسرائيل الذريعة للقيام بكل هذه العمليات المدمرة وهذا التهجير للسكان الذين أصبحوا لاجئين في الشوارع والساحات والمدارس وبعض المنشآت الحكومية، كما أعطى أيضاً ذريعة لنتنياهو الذي له مصلحة شخصية باستمرار الحرب إذ أنه حاليا يتعرض لمحاكمة بتهمة الفساد، وإسرائيل مقبلة على انتخابات تشريعية بعد أشهر قليلة، وفي حال فشل حزبه في الإنتخابات وعدم عودته الى رئاسة الحكومة فمن المرجح أن يدخل السجن. لذلك نراه يتحدث باستمرار على الخطر الذي يشكله حزب الله، ويدعي باستمرار أنه يحمي الإسرائيليين من هذه المخاطر كي يصوتوا لصالحه في الإنتخابات القادمة، كما يدعي بأنه يقوم بتحقيق “إسرائيل الكبرى.”
لقد حصلت حتى الآن ثلاث جولات من المفاوضات في واشنطن برعاية أميركية، الأولى في وزارة الخارجية بحضور الوزير ماركو روبيو، والثانية في البيت الأبيض بحضور الرئيس ترامب حيث تم الإعلان عن تمديد وقف إطلاق النار لمدة خمسة وأربعين يوماً، علما أن كلا من سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في العاصمة واشنطن مثل بلاده في هاتين الجولتين، أما في الجولة الثالثة التي عقدت في وزارة الخارجية الأميركية بحضور أحد مساعدي الوزير روبيو الذي كان يرافق الرئيس ترامب في زيارته الى الصين، فقد ترأس الوفد اللبناني السفير الأسبق في واشنطن سيمون كرم على رأس وفد ضم عسكريين والسفيرة اللبنانية، كما أن إسرائيل تمثلت بوفد يرأسه السفير الإسرائيلي في واشنطن ويضم مسؤولين أمنيين.
في هذه الجولات الثلاث من المفاوضات، كان الموقف اللبناني واضحا بالتشديد على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار بينما الموقف الإسرائيلي كان يطالب بتطبيع العلاقات مع لبنان وبضرورة أن تقوم الحكومة اللبنانية بتجريد حزب الله من السلاح. وقد تم الإتفاق، في الجولة الثالثة من المفاوضات، على عقد لقاء عسكري في مبنى وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بتاريخ التاسع والعشرين من شهر مايو/أيار الجاري بين وفد لبناني ووفد إسرائيلي برعاية مسؤولين عسكريين أميركيين للبحث في الشؤون الأمنية التي تهم البلدين، على أن تعقد بعد ذلك جولة رابعة من التفاوض في وزارة الخارجية الأميركية يومي الثاني والثالث من شهر يونيو/حزيران القادم.
من المفيد التوضيح ان هذه المفاوضات كانت تجري برعاية أميركية في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل مستمرة في تدمير المنازل وتهجير السكان وقتل المزيد من المواطنين اللبنانيين دون معارضة أميركية، وهذا ما حمل رافضي التفاوض المباشر مع إسرائيل على انتقاد الرئاسة والحكومة اللبنانية بشدة، إذ كانوا يتساءلون عن أية فائدة يمكن أن يجنيها لبنان من هذا التفاوض الذي لا يؤدي إلا الى المزيد من الهجمات الإسرائيلية الوحشية على لبنان؟
أما المدافعون عن التفاوض المباشر، فهم يرون أن الحكومة كان عليها أن تختار بين مسارين أحدهما سيئ والآخر أسوأ، فإما أن ترفض العرض الأميركي بالتفاوض المباشر برعاية أميركية وهذا الرفض من شأنه أن يعطي إسرائيل الضوء الأخضر الأميركي للمزيد من التدمير والتهجير علما ان حزب الله لم يستطع حتى الآن إيقاف العدو الإسرائيلي عن الإستمرار بهذه العمليات الوحشية، وإما أن تقبل الحكومة بالتفاوض مع احتمال ضعيف بنجاح هذا المسار وإيقاف المجازر الإسرائيلية والتدمير المستمر.
لقد شجعت الدول العربية والأوروبية الحكومة اللبنانية على السير في هذا المسار التفاوضي مع التشديد على ضرورة تطبيق مبدأ حصرية السلاح، مع العلم ان وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو أكد من جهته في تصريح واضح للغاية على ضرورة وضع حد لنفوذ حزب الله في لبنان، مركزاً على أهمية الإجتماع العسكري الذي سيعقد في واشنطن في التاسع والعشرين من هذا الشهر، رافضاً دعوة أمين عام حزب الله الشعب اللبناني لإسقاط الحكومة، ومشيراً الى أن قوة الحزب هي الآن في مراحلها النهائية، وفي كل ذلك نوع من التشجيع المبطن لإسرائيل لتكثيف عملياتها العسكرية في لبنان.
أمام الحكومة اللبنانية أسابيع قليلة لمعرفة إن كان مسار التفاوض سيؤدي الى توقيع اتفاق جديد مع إسرائيل، دون أن ننسى أن هذه الأخيرة قلما تحترم الإتفاقات التي توقعها، كما أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يملك، على ما يبدو، إمكانية الضغط على إسرائيل لحملها على احترام اتفاقات وقف إطلاق النار، وقد يكون العكس صحيحاً إذا ما نظرنا الى كيفية استدراج ترامب من قبل نتنياهو للدخول في حرب الى جانب إسرائيل ضد إيران في اليوم الأخير من شهر فبراير/شباط المنصرم، والعالم يشهد حاليا كيف أن ترامب يحاول استرضاء نتنياهو كي لا يعرقل مساعي المفاوضات الأميركية الإيرانية لإنهاء الحرب، عبر الضغط على الدول العربية لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل عبر الإنضمام الى ما يعرف باتفاقات ابراهيم.
بمطلق الأحوال يبقى على الحكومة استعادة ولو قسم من التأييد الذي فقدته بسبب عدم تنفيذها قرار حصرية السلاح خاصة وأن الفريق المعارض لحزب الله كان يؤيد هذا القرار فخاب أمله وقلل من تأييده للعهد، كما أنها كانت خسرت أي تأييد محتمل من الحزب بعد اتخاذها هذا القرار.














