للكاتب الدكتور / زياد بشاره أفرام
تلهو جلنار في الحي القديم للضيعة التي ترعرعت به، وهي في عمر الرابعة عشر من عمرها مع رفاقها، وكثيراً ما كانت تلعب دور المعلمة، إلى أن أصبح حلمها وتؤدّي دورها عند اللعب بشكل جيد، ذات يوم أتت والدتها لتطلب منها العودة إلى المنزل بعدما انتهى وقت اللعب، فنادت لها والدتها عدة مرات وبصوت عالٍ ولم تنتبه جلنار، إلى أن اقتربت الوالدة أكثر اليها، ووضعت يدها على كتفها قائلة لها: جلنار ابنتي لقد حان وقت العودة إلى المنزل. تفاجأت الوالدة بردة فعل ابنتها عندما وضعت يدها عليها.
اجابت جلنار: حسناً أمي سوف أذهب معك.
وفي طريق العودة دار الحديث بينهما فقالت الوالدة لها: ابنتي أنتِ تحبين أن تكوني معلمة وذلك واضح بطريقة تصرفك مع رفاقك، حتى أنه لم تسمعيني انادي عليك!
اجابت جلنار: نعم أمي وذلك يسعدني خاصة مع رفاقي حين نلهو سوياً. إلى أن وصلتا إلى بيتهما المتواضع، ودخلتا وإذ بوالدها ينتظر بفارغ الصبر! الحمد لله على عودتك مع والدتك بالسلامة، كنت قلقاً عليك كثيراً. هكذا استقبلهما الوالد، تلك الليلة كان جارهم أبو سليم موجود في دارهم ليقول للوالد: أنت لك الحق أن تقلق، فإن جلنار هي أجمل بنت في هذه الضيعة، كما وأنها الأكثر تهذيباً بين رفيقاتها، انظر كم هي مرتبة وجميلة! احنت رأسها جلنار نحو الأرض، ولم تستطع الرد على أبو سليم، متوجهةً إلى غرفتها. نظرت الوالدة سميرة إلى زوجها عيسى، باستغراب عما حصل مع ابنتهما تلك اللحظة. استأذنت منهما لتلحق بابنتها إلى غرفة نومها لتشاهدها مستلقية على سريرها واضعة غطاءً فوق رأسها! وقفت الوالدة بمحاذاة السرير، وسألت جلنار: ماذا حصل ابنتي لتتصرفي بهذه الطريقة؟ اهناك أي سبب أم هناك خطب ما مع عمو أبو سليم؟ هل أنتِ بخير؟ فقط قلقت عليك من هذا التصرف! لم تردّ جلنار بل أومئت برأسها أن ليس هناك أي شيء. لم تتركها والدتها إلى أن اجلستها على السرير، ونظرت في عينيها، لتعود وتسألها السؤال نفسه!
ما هي الا دقائق حتى بدأت جلنار تشعر برجفان في يديّها، ومن ثم برجليّها، إلى أن فقدت الوعي! ووالدتها ما زالت متمسكةً بيدها، وصرخت بأعلى صوتها: عيسى تعالى على الفور، لقد انهارت جلنار، بسرعة ارجوك!
دخل عيسى إلى الغرفة ليرى ابنته ممدّدة على الفراش، ووالدتها تمسك بيدها، وعلى الفور من دون أي استفسار! عند رؤية هذا المشهد، اتصل الوالد بالإسعاف وشرح لهم عن وضع ابنته، المحتمل أن يكون حرجاً، اجرت فرقة الاسعاف عند وصولها، الاسعافات الأولية لجلنار، ووضعوها في السيارة المخصصة، متوجهين إلى أقرب مستشفى.
رافقتهم العائلة، وصلوا إلى غرفة الطوارئ، شرحت الوالدة للطبيب المناوب ماذا حصل وبالتفاصيل، ليتمكن من معرفة تشخيص العارض الصحّي.
قام الطبيب المناوب وفريقه العمل معه في تلك الليلة، ما يجب من فحوصات مخبرية وصور أشعة، وعدة أمور تحسباً من أي طارئ قد يحدث مع المريضة. ولكن الحمد لله لم تكن إلا نكسة صحية فقط لا غير، ولم تُظهِر الفحوصات أي مرض أو إصابة!
وبعد مكوث جلنار ليومين في المستشفى، اطمأن عليها الطبيب المعالج، وشرح لوالديها بأن ابنتهما قد تعافت، لا بل ليس هناك أي خلل، أو إشارة سلبية في الفحوصات! ويمكنهم الذهاب إلى المنزل.
تحضرت العائلة لمغادرة المستشفى، ولكن قلب الأم سميرة لم يكن مطمئناً! أصبحت تراقب جلنار أكثر من أي وقت مضى. لتدخل قريبتها في ذلك النهار لتزورها، وعندما نظرت إلى جلنار قالت بصوت مرتفع “يا إلهي كم أنت جميلة، ومتعافية، وكم ثيابك انيقة”! التفتت الوالدة لتراقب ردّة فعل ابنتها. وإذ بها تلحظ بأن وجهها قد أصبح لونه احمر كالدم، مرتبكة في تلك اللحظة! عندها عرفت الأم سميرة بأن جلنار تخجل بشكل هستيري من المدح حتى لو كان قليلاً! توجهت الوالدة نحو جلنار وامسكتها بيدها، غمرتها علّها تتحسن حالتها من هذا الارتباك الحاصل والخجل، نجحت الوالدة بتلك الطريقة، لتستعيد جلنار ثقتها ووعيها، لتصبح تلك الطريقة الأفضل لابنتها، إلى أن!
تزوجت جلنار برفيقها بعدما أنهيا دراستهما في الجامعة، لتبدأ جلنار العمل في المدرسة كمعلمة، وبذلك تكون حققت حلمها ليصبح حقيقة، ما أروع تلك اللحظات والشعور بالسعادة لدى جلنار بما أنجزته في حياتها! الزواج بحبيبها والوصول إلى هدفها. كانت متفوقة على معظم رفيقاتها في تلك المدرسة المميزة الشهيرة. إلى أن!
ذلك الصباح اتصل زوجها بالتاكسي ليقللها من منزلهما إلى العمل، كونهما اعتادا أن يغادرا المنزل سوية ليوصلها إلى وظيفتها بطريقه إلى شركته. لكن ذلك النهار كان متوجهاً إلى جهة معاكسة لوجهة المدرسة. قبّلت زوجها لتغادر، بعدما ارتدت وكعادتها أجمل الثياب والموضة في ذلك الزمن. نزلت إلى الطريق حيث كان التاكسي بانتظارها. وهما في طريقهما إلى المدرسة نظر السائق إلى المرآة ولم يتفوه بأي كلمة بل استمر بالقيادة، وهو بدهشة من أمره! وصلا إلى موقف المدرسة وبينما جلنار تهم بالنزول التفت السائق إلى الخلف قائلاَ: أنت من أجمل ما خلق الله، وكم أنت أنيقة وتتابعين الموضة العصرية! مع الاحترام لحضرتك، الله معك!
دخلت الصف وهي بحالة ارتباك وخجل، لم تستطع الوصول إلى طاولتها الخاصة، لتضع أغراضها الشخصية عليها، وبدء الشرح للدرس الجديد للتلامذة، هرع التلميذ الجالس في الصفوف الأمامية وجلب لها الكرسي لتستريح، بعدما شاهد المعلمة تتكئ على الحائط والباب وهي تعبة جداً! أخذ تلفونها من يديها واتصل بأول رقم بلائحة الاتصال! وإذ بزوجها يجيب، ليخبره الطالب ماذا حصل. حضر الزوج إلى المدرسة على الفور ليطمئن عليها ومعرفة ما يجري، توجه إلى الصف ودخل بطريقة انفعالية، ليراها جالسةً على الكرسي تعبة مرهقة بشكل كبير وذلك ظاهر على وجها! وعلى الفور سألها ماذا حدث وهي في طريقها إلى المدرسة؟ لتخبره عن سائق التاكسي كيف مدحها وماذا قال لها. غضب الزوج وعاود الاتصال بالسائق مهدداً بأنه وبعد الاطمئنان على زوجته ونقلها إلى المنزل، سوف يتوجه إلى مكان عمله ويلقنه درساً لن ينساه بحياته! وبالفعل ذهب إلى الفرع الرئيسي وعند وصوله التقى بالسائق، من دون أي سابق إنذار لكمه بقبضة يده المتينة، الزوج يمارس هواية البوكسيينك BOXING، ليسقطه أرضاً مغمى عليه، تجمهر الحشد في المكان ورئيس المكتب أيضاً، ليعود إلى مكتبه ويتصل بالإسعاف ومن ثم بمركز الشرطة. وصل فريق الإسعاف وأخذ المصاب وفي نفس الوقت وصلت قوة الشرطة وأخذت الزوج إلى قسم التحقيق!
مكث الزوج ليلة واحدة في ذلك القسم، إلى أن أصبحت حالة السائق جيدة، لم يقدم السائق شكوى قضائية ضد الزوج، بل تعهد الزوج بأن لا يعترضه مجدداً مهما كانت الظروف. مع نبل وشهامة السائق جاء إلى قسم الشرطة واعتذر من الزوج، شارحاً له بأن ما فعله إطراء فقط وليس مغازلة لزوجته، وهو لم يكن يعلم بأن المديح يسبب لها الاحراج، والمتاعب، خرجا من القسم وتوجها إلى المنزل ليعتذر السائق من جلنار!
أردت ككاتب أن أسلّط الضوء على عواقب الخجل عند المدح والمديح وآثره على العائلة والفرد هناك الكثير من الاشخاص عند المديح يتوترون ولا يدرون كيف وماذا يتصرفون! لذلك وجب علينا جميعاً بأن نتوخى الحذر في كيفية التعامل مع الأفراد المحيطين بنا.
نعم هناك العولمة وأصبحت متقدمة مع وجود الذكاء الاصطناعي AI، مع هذا التطور هناك العديد من الأفراد يهابون الانخراط بين افراد مجتمعهم خوفاً من أن يوجه لهم أية ملاحظة أو مدح، كما وأنه ليس المديح وحده هو من يورط الشخص ويكسر العلاقة بين الناس، بل هناك عدة أمور أخرى قد تكون موجودة بداخلنا ولا نعلم بها، لهذا علينا أن نعيش متيقظين ومهتمين لمشاعر الآخرين من حولنا! إذا كان الشخص الآخر الموجود بجانبك سعيد ومستقر، فهذا سوف ينعكس عليك بطريقة أم بأخرى. لهذا نحن من نصنع حياتنا سالمة سليمة، محبة، مخلصة، متصالحة مع نفسها، مستقرة!














