بقلم: نعمة الله رياض
يمكن للمرأة أن تعرف خلال حياتها رجالا كثيرين ولكنها لن تعرف إلا أباً واحدا لأبنها أو أبنتها ، ربما لهذا اعتبرت (سعاد) الرجل الذي كانت تدعوه من كل قلبها رجل حياتها في نهاية الأمر أباً لها ، بدلا من الأب الذي كان سببا لوجودها في هذه الدنيا ، وقد استطاع ( طارق) رجل حياتها أن يجعل حياتها تفيض سلاماً واماناً ، رغم انه كان يكبرها بأكثر من خمسة وعشرين عاما ، وكان يشغل وظيفة استاذاً بالجامعة التي كانت طالبة فيها، وكان يشرف عليها في الفصل الدراسي مما أدي إلي إعجابه بها ثم قبولها العيش معه في شقة استأجرها بعيدا عن زوجته وأولاده ، كان من عائله ثرية فلم يكن يعاني من اية مشاكل مالية تعوقه عن الإنفاق علي عائلتين .. كانت تتمتع معه بالحب الجسدي الذي يدوم لفترة طالت أو قصرت والحب الأبوي الذي يدوم بلا نهاية .. كان صريحاً معها عندما بدأت علاقته معها ، فاخبرها انه متزوج وعنده أطفال ، وطلب منها أن تخفي أمر هذه العلاقة حتي لا تعلم بها زوجته الحالية فيؤثر ذلك علي صحتها الحرجة ، وافقت سامية علي ذلك لأن ما يهمها هو أن تكون في مقدمة الاهتمام عندما تكون معه .. بعد حوالي ثلاثة أعوام من العلاقة السرية ، وفي ذات يوم عندما كانت سامية تتسوق عرجت علي المصرف لسحب نقوداً من الحساب الذي خصصه لها عشيقها طارق ، ولدي مغادرتها المصرف لاحظت خروج امرأة جميلة وأنيقة ترتدي ملابس فاخرة بعد انتهاء معاملتها المالية ، ورأتها تقف علي الرصيف كان يبدو انها تنتظر سيارة أو تاكسي ، بعد دقائق رأت سيارة تعرفها جيدا يقودها عشيقها طارق وعندما توقفت صعدت اليها المرأة الحسناء وجلست بجانب طارق وأحاطت رقبته بذراعيها وقبلته قبلة طويلة ثم انطلقت السيارة بسرعة.. جحظت عيناها من هول الصدمة وهي غير مصدقة لما حدث توا وهرعت الي منزلها ، شعرت بالدوار وداهمتها رغبة في التقيؤ علي الأثاث والكتب والسجاجيد وهي تشعر بالاشمئزاز .. هل هذا هو رجل حياتها؟ لم يكتفي بزوجة وعشيقة بل يلقي بشباكه بحثا عن إمرأة أخري !! تداعيت علي الفراش وبقيت غارقة في تأمل حياتها التي تقيأتها للتو حتي خيم عليها الظلام ، ترقرقت عيناها بالدموع وهي تتذكر سيارة طارق وهي تبتعد يقودها رجل حياتها (سابقاً) .. أين هو الأن؟ لقد أخبرها في الصباح انه في مأمورية عمل وانه قد يعود في ساعة متأخرة من الليل ، لا بد إنه يتمرغ الآن في أحضان تلك المرأة سارقة الرجال ، فكرت في طريقة للانتقام من هذا الذي حطم أحلامها ، في طريقة متفردة تشفي غليلها ، ليس من المهم الابتعاد عن الشقة ،المهم هو مغادرة كل الأماكن والذكريات التي تجمعهما ، ومغادرة وبلا تردد هذا الشعور بالاشمئزاز ..
ذهبت إلي الحمام وأغلقت الباب خلفها وأبطلت خاصية الإشعال الذاتي وفتحت محبس الغاز وانتظرت بضع دقائق لكن لم يحدث إختناق لإن الغاز كان يتسرب من فتحة التهوية .. أدركت فداحة ما كانت مقدمة عليه ..
تخلت عن فكرة الإنتحار ، وبعد طول تفكير توصلت الي معرفة الطريق الذي تتبعه ، لن تقطع صلتها به ولن تواصلها ولكن ستعلقها ، لا تريد أن تجعله يحس بالملل تجاهها ، بل تريد أن يواصل اهتمامه بها ولو كان ذلك بلا طائل ، كانت تريد أن تستمر في رؤيته لأنها ما زالت تحبه وبما ان حبها له قد انتهي فلم تعد تريد أن تراه ، وبين هاتين الرغبتين المتناقضتين يكمن المرض العقلي .. اتصلت هاتفيا بصديقة لها تعمل مديرة في مستشفى خاص يعالج الاضطرابات العقلية الخفيفة وشرحت لها ظروف إقدامها علي الإنتحار، وطلبت منها أن تحتجزها في المستشفي لمدة أسبوع علي الأقل بدعوي تقييم الحالة والبدء في العلاج ..
طلبت منها كذلك الإتصال بطارق لتشرح له ما حدث لسعاد ، ونظرا لحالتها النفسية السيئة فانها تفضل الا تقابل أحداً في الوقت الحالي .. شكر طارق مديرة المستشفي وتعهد بسداد جميع تكاليف الإقامة والعلاج ..
عن طريق الإنترنت ومحرك البحث جوجل تعرفت علي أنواع الجنون وأعراضها وتوصلت إلى تحديد الصفات الخاصة بالمرض المتخيَّل الذي قررت بدءاً من الآن أن تكون مصابة به بصورة، وقد اختارت شكلاً خفيفاً من أشكاله ربما دائمة إنه مرض الكآبة في أطواره الأولي بهلوسات عديدة ومتنوعة. عليَّها إذاً أن تكون حزينة وواهنة وفي الوقت نفسه ان تسمع وترى أشياء لايمكن أن يكون لها وجود. مضي أسبوع من إقامتها في المشفي اتصل بها طارق ليطمئن عليها وفي الحال غيرت نبرة صوتها ليكون واهناً وحزيناً وحكت له أحلامها ، قالت انها كانت تشعر ان رجلا يسكن معها في البيت وهي قابعة في الظلام الدامس، وحيدة تماماً. وهي تسمعه يمشي في الغرفة المجاورة ويفتح الأبواب ويغلقها ويدندن بصوت خافت ،غادرها طارق بعد أن اقسم لها انه يحبها وتواعدا علي المحادثة الهاتفية مرة أسبوعيا علي الأقل ..غادرت المشفي بعد ان نجحت خطتها ،استمر طارق في الاتصال بها أسبوعيا بالهاتف النقال ويشاهدا بعضهما باستخدام الكاميرا المدمجة به وبدون ان يتمكن من مقابلتها.. كان مرضها العقلي ينتصب أمامهما كلوح زجاجي الذي يسمح لها أن تري الآخرين ولا يسمح لهم برؤيتها، هي تري ممولها والنقود الشهرية المحولة لحسابها بينما هو لا يستطيع ان يراها .. وهكذا أصبحت تعيش حياة مزدوجة ، كانت تقول لممولها ان حياتها معه معلقة بسبب اضطراباتها النفسية ولن تستأنف وجودها الا بعد شفائها التام .. كانت تقول الحقيقة لكنها كانت تصورها كالوهم ، كأحلام تحلمها وهي مفتوحة العينين ..
ولكن هل هذا توهم ؟! اليس مرضا ان يتوهم الإنسان المرض؟! ان يعطي للناس وللأحداث في حياتها نوعا من الخيال الذي لا ينجح في إقناعها بوجودها الفعلي حتي عندما تتكرر أو تتطور.. نعم يلزم القليل لتحويل الواقع إلى حلم ، ولكن يلزم الكثير لتحويل الحلم إلى واقع.. وهكذا تتابع الحياة مسيرتها ، حصلت سعاد علي وظيفة مرموقة في إحدي الشركات الكبرى ومن ثم اعتذرت عن قبول أية تحويلات ماليه اخري من عشيقها السابق طارق ، وتعرفت علي موظف كبير في نفس الشركة وتزوجته ، بينما أستمر طارق في حياته العبثية متخطيا تجربته المؤلمة مع سعاد ..














