بقلم: علي عبيد الهاملي
كاتب وإعلامي إماراتي
الآن، وبعد أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتصاره في الحرب، وأعلنت إيران انتصارها، السؤال الذي يفرض نفسه هو ليس من الذي انتصر في الحرب أو خسر؟ وإنما من الذي حصد مكاسبها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية؟
عند قراءة البنود المعلَنة لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، يبدو واضحاً أن إيران خرجت من هذه الحرب وهي تحمل في يدها مكاسب كبيرة، بينما حصل الطرف الآخر على وعود وتعهدات سبق أن سمع العالم نماذج مشابهة لها مرات عديدة خلال العقود الماضية. فالخطة تبدأ بوقف الحرب وإنهاء المواجهات، وهو مطلب يتفق عليه الجميع. غير أن التمعن في بقية البنود يكشف أن طهران لا تكتفي بوقف الحرب، وإنما تحصل في المقابل على حزمة واسعة من المكاسب السياسية والاقتصادية التي تعزز موقعها الإقليمي بصورة غير مسبوقة.
أول هذه المكاسب هو الاعتراف الضمني بإيران طرفاً أساسياً لا يمكن تجاوز دوره في معادلات المنطقة. فالتفاوض المباشر معها، والتوصل إلى اتفاق شامل يعالج ملفات الأمن والملاحة والعقوبات والتنمية الاقتصادية، ويمتد إلى الوضع في بعض البلدان العربية، يعني عملياً تكريسها قوة إقليمية رئيسية تمتلك القدرة على التأثير في الأمن الإقليمي والدولي، وفي حركة التجارة والطاقة العالمية. بدليل أنها نجحت في انتزاع الملف اللبناني من الحكومة اللبنانية الشرعية ونقلته إلى منتجع «بورغنشتوك» في سويسرا، ليكون البند الأول على طاولة المفاوضات الأمريكية الإيرانية، متجاهلةً الحكومة اللبنانية الشرعية التي تجري محادثات مع إسرائيل في واشنطن.
أما المكسب الثاني فيتمثل في رفع الحصار البحري واستئناف حركة الملاحة في مضيق هرمز. فالمضيق لم يكن مغلقاً قبل الحرب، ولا بقرار دولي، ومجرد ربط أمنه بتفاهم مع إيران يمنح طهران ورقة سياسية جديدة، وكأن العالم يعترف بأن استقرار هذا الشريان الحيوي يمر عبر البوابة الإيرانية. وقد أكدت إيران هذا منذ اليوم الأول لسريان اتفاقية التفاهم، وتؤكده كل يوم.
ثم تأتي العقوبات، وهي القضية التي شكلت لعقود من الزمن أهم أدوات الضغط على النظام الإيراني. فالاتفاق يتحدث عن إنهاء العقوبات والإفراج عن الأموال والأصول المجمدة، إضافة إلى إعفاءات لصادرات النفط الخام. وهذه البنود وحدها تمثل مكاسب اقتصادية هائلة ستضخ عشرات المليارات في الاقتصاد الإيراني وتمنحه فرصة لاستعادة جزء كبير من قدراته المالية والتجارية. الأمر الذي سينعكس انتعاشا لأذرعه في لبنان واليمن والعراق، ولخلاياه الإرهابية في المنطقة والعالم.
الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. فالخطة تتضمن التزاماً أمريكياً بالمساهمة في إعادة التأهيل والتنمية الاقتصادية داخل إيران. ومن الصعب العثور في التاريخ الحديث على دولة تدخل في مواجهة طويلة مع قوة عظمى ثم تخرج من الأزمة وهي تحصل على رفع العقوبات واستعادة الأموال المجمدة وفرص التنمية الاقتصادية في آن واحد.
في المقابل، ماذا تقدم إيران؟
التعهد الأبرز هو عدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي. وهذا التعهد ليس جديداً من حيث المبدأ، فقد كان جوهر الاتفاقات والمفاوضات السابقة. ولهذا فإن السؤال الذي يطرحه كثير من المراقبين يتعلق بآليات التحقق والرقابة وضمانات التنفيذ، وليس بالنصوص المكتوبة.
المفارقة أن الاتفاق، بصيغته المنشورة، لا يتناول بصورة واضحة ملفات أخرى ظلت مصدر قلق إقليمي لسنوات طويلة، مثل النفوذ الإيراني في عدد من الساحات العربية، ودور الميليشيات المسلحة المرتبطة بطهران، والتدخلات التي ساهمت في تأجيج الصراعات وإطالة أمدها. ولذلك يرى البعض أن الاتفاق يعالج جانباً من المشكلة، بينما يترك جوانب أخرى من دون معالجة حقيقية.
كما أن اعتماد الوضع القائم إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي يمنح إيران فرصة إضافية لترسيخ ما حققته من نفوذ خلال السنوات الماضية. فالتجميد المؤقت للملفات الخلافية غالباً ما يتحول مع مرور الوقت إلى اعتراف بالأمر الواقع، خصوصاً عندما يكون أحد الأطراف قد نجح بالفعل في تثبيت حضوره السياسي والعسكري في أكثر من ساحة. ومن زاوية أخرى، فإن الاتفاق يبعث برسالة تُقرأ على أنها مكافأة لمن يجيد استخدام أوراق الضغط والتصعيد للوصول إلى طاولة التفاوض بشروط أفضل.
لا أحد يعترض على السلام. لكن السلام الحقيقي ينبغي أن يكون متوازناً، وأن يبدد أسباب القلق، لا أن يعيد صياغتها في إطار جديد.













