بقلم: د. حسين عبد البصير
تكملة العدد الماضي
ويعد المؤرخ الإغريقي الشهير هيرودوت، أو أبو التاريخ، أو أبو الأباطيل في رأي البعض، من أقرب المصادر زمنيًا التي تحدثت عن عصر الأسرة السادسة والعشرين الصاوية؛ إذ أنه كان قد زار مصر في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد أي بعد حوالي قرن من بعد نهاية الأسرة السادسة والعشرين الصاوية. وذكر هيرودوت الكثير من الأمور عن فترة حكم ذلك الملك. وقام الملك أحمس الثاني أمازيس بنقل الجنود المرتزقة من الأجانب إلى منطقة نقراطيس في محافظة البحيرة في غرب الدلتا، وأعطى لهم امتيازات كثيرة مثل الحقوق التجارية، وذلك حتى يتفادى وقوع أية مشكلات وصدامات مع الجنود المصريين وأهل مصر عمومًا. وفي عهده، أصبحت نقراطيس منطقة تجارة حرة مثل ديلوس في بلاد اليونان. وفي نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، أظهرت حفائر عالم الآثار البريطاني الأشهر السير وليام فلندرز بتري في المدينة أنها كانت ذات طبيعة كوزموبوليتانية وأن معابدها كانت مخصصة لآلهة الجاليات التي كانت موجودة بها.
غير أن ما يحسب لعهد الملك أحمس الثاني أمازيس أن التجارة في البحر المتوسط كانت تشكل بعدًا مهمًا من أبعاد السياسة الخارجية المصرية في تلك الفترة، وكان تدعيمها ضرورة من ضرورات فترة حكمه المزدهر والمديد، وكانت كذلك مهمة أساسية من مهام الأسطول المصري في البحر المتوسط. وبناءً عليه، فقد تم التعامل والتعاون من عدد كبير من الأمم في البحر المتوسط، خصوصًا الإغريق الذين شكلوا نسبة كبيرة من الجنود المرتزقة بالجيش المصري. وكان من شدة تدخل الملك أحمس الثاني أمازيس في العالم الإغريق أن قام بإعادة بناء معبد الوحي الشهير والعظيم والخاص بالرب أبوللو في دلفى بعد أن جاء عليه حريق هائل ودمره تمامًا في عام 548 قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام.
وبعد التهديد الآشوري لمصر من قبل في نهاية الأسرة الخامسة والعشرين النوبية أو الكوشية، جاء بعده التوسع البابلي والنشاط العسكري بشدة في الشرق الأدنى القديم، مما سبّب قلقًا وتهديدًا لمصر الصاوية طوال عصر الأسرة. غير أن المشهد شهد لاعبًا جديدًا وقويًا وعنيفًا أبتلع كل القوى القديمة، وأسّس إمبراطورية جديدة، وأعني الإمبراطورية الفارسية والتي حاربت الإغريق بكل قسوة. وكانت مصر الصاوية بعد رحيل القائد العسكري القوي أحمس الثاني أمازيس لا تمثل قوة قد تقلق الفرس. فتحرك الملك الفارس الشهير قمبيز نحو مصر. واحتل مصر في عام 526 قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام. وانتصر على الملك بسماتيك الثالث، ابن الملك أحمس الثاني أمازيس، في منطقة الفرما على حدود البوابة الشرقية لمصر. وكان بسماتيك الثالث الضعيف وغير الخبير قد خلف أباه الملك أحمس الثاني أمازيس القوي لعدة أشهر على عرش مصر. فهرب بسماتيك الثالث إلى العاصمة الأزلية منف حيث نجح بسهولة الملك الفارسي قمبيز في أسره وبعث به إلى عاصمة الإمبراطورية الفارسية الشهيرة في مدينة سوسة. وهكذا جاءت نهاية الأسرة السادسة والعشرين الصاوية على أيدي الفرس الذي دمرا مصر وعاملوا المصريين أسوأ معاملة.
نختنبو الثاني
الملك نختنبو الثاني هو آخر فرعون مصري يحكم مصر. وانتهت فترة حكمه باحتلال الفرس لمصر ثانيةً في عام 343 قبل ميلاد السيد المسيح، قبل احتلال الإسكندر الأكبر لمصر في عام 332 قبل الميلاد. وكذلك هو آخر حاكم مصري لمدة حوالي ثلاثة وعشرين قرنًا من الزمان حتى جاء حكم اللواء محمد نجيب وحكم الضباط الأحرار وثورة 23 يوليو 1952.
لقد كانت السنوات الثمانية الأولى من حكم نختنبو الثاني بعيدة عن التدخل الفارسي بسبب المشكلات الأسرية في البيت الفارسي الحاكم وما تلاها. غير أنه في منتصف القرن الرابع قبل الميلاد، نجح الحاكم الفارسي الجديد أرتازيركيس الثالث في فرض سيطرته على معظم أرجاء الإمبراطورية الفارسية. وحاول غزو مصر، غير أن حملته باءت بالفشل. وبسبب ذلك، نجحت بعض المدن اليونانية والفينقية في تحدي القوة الفارسية عسكريًا لبعض الوقت.
وكان الملك نختنبو الثاني قد رجع إلى التقاليد الملكية القديمة والاستقرار الذي جلبته الآلهة لأرض مصر. فقام الملك بإعادة بناء وتأسيس المعابد. وتم تقديم الملك على اعتباره أنه في حماية الآلهة، وبالفعل هناك تمثال كبير من الحجر في متحف المتروبوليتان في مدينة نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية يصور الملك نختنبو الثاني في شكل صغير بين قدميّ الرب حورس، المعبود المصري الشهير وحامي الملكية المصرية المقدسة، والذي تم تصويره في شكل صقر كبير الحجم.
ولقد حارب الجنود الإغريق من المرتزقة مع مصر ومع الفرس. وكان قوام خمس جيش الملك نختنبو الثاني حوالي عشرين ألف من الجنود الإغريق. ووقف بهم الملك نختنبو الثاني في قلعة الفرما التي كانت على حدود مصر الشرقية في عام 343 قبل ميلاد السيد المسيح مواجهًا التقدم الفارسي نحو بلده مصر. فتم هزيمة المصريين عن طريق الجنود الإغريق المرتزقة الذين استعان بهم الفرس لغزو مصر، وسقطت الفرما، ومن بعدها مناطق الدلتا القوية الحصينة. ثم سقطت منف بعد فترة، مما اضطر الملك نختنبو الثاني إلى الهروب إلى بلاد النوبة. وتم حكم مصر عن طريق الفرس للمرة الثانية.
ولا نعرف مصير الملك نختنبو الثاني، غير أننا عثرنا تمثال أوشابتي يحمل اسمه وهو موجود في متحف تورينو في إيطاليا وغير معروف مكان الاكتشاف مما يشير إلى موته ودفنه غالبًا في العاصمة سايس، وهناك آثار جنائزية أخرى تحمل اسمه. وجاء في الأسطورة التي تعود إلى العصور الوسطى وتحمل اسم «الإسكندر رومانس» أو «قصة الإسكندر»، أن نختنبو الثاني هرب إلى البلاط المقدوني، أعداء الفرس التقليديين، حيث عمل كساحر مصري عظيم، وهناك لفت نظر الملكة أوليمبيا، زوجة الملك فيليب الثاني، وأصبح أب الإسكندر الأكبر، مما يعد تبشيرًا بحكم الإسكندر الأكبر لمصر واعتباره من نسل الفراعنة العظام.
وبنهاية حكم الفرعون المصري العظيم الملك نختنبو الثاني يختفي نسل الفراعنة من حكم مصر. وباحتلال مصر من الإسكندر الأكبر، تصير مصر مملكة يحكمها الغرباء إلى أن تقوم ثورة 1952 ويحكم مصر اللواء محمد نجيب أول حاكم مصري لمصر بعد الفراعنة.
تمت














