للكاتب الدكتور / زياد بشاره أفرام
قصة واقعية اجتماعية
اقتربت من مكان عملي، منتظراً الإشارة الضوئية لتضيء اللون الأخضر للسماح بمتابعة سيري. وما هي إلا أمتار قليلة تفصلني! أنظر إلى المرآة الموضوعة على الزجاج الأمامي للسيارة، لأتفقد خلفية السيارة، كأيِّ سائق منتظراً المتابعة! لأشاهد خلفي سيارة فخمة جديدة الطراز، بداخلها رجلٌ وامرأة، الرجل جالس على ناحية السائق يقود، والمرأة بجانبه على جهة اليمين. يتشاجران وبقوة حتى أنني تمكنت من سماع صوتها بشكل خافت! وحركات الأيدي تعلو من الطرفين وكأنهما على ميدان مصارعة أو ساحة حرب. كان ذلك الحدث صباح ذلك اليوم.
لماذا؟
أعلنت الإشارة الضوء الأخضر، الّذي يسمح لنا متابعة مسارنا. كلٌّ إلى وجهته. انعطفت انعطافا كاملاً ووصلت أمام مكان عملي، أوقفت السيارة، ترجلت منها ومعي فنجانَ القهوة، لا بل كوب القهوة الذي دائماً أجلبه من عربة القهوة المتواضعة الصغيرة المتواجدة بالقرب منا. دخلت إلى المكتب، جلست كعادتي أمام المكتب أرتشف قهوتي، ولم أنسَ السيجار المرافق لي صباحاً!
لا أدري كيف غصت في أفكاري وأحاسيسي بهذا المشهد، وهذا العراك القوي الحاد، ونَسَيِتُ لوقت تنظيم عملي اليومي والبدء به. أدركت ذلك، لكنني جاريت تفكيري ولم أقاطعه، علّني أصل إلى شيء من هذا الأمر! جاريت أحاسيسي لأفكر كيف يكون الإنسان مشحوناً بالعديد من الأفكار السلبية تجاه الأخر. وسألت هل يا ترى توصّلا إلى حل لتلك المشكلة؟ هل تكلّما عما يزعجهما من قَبِل، أي قبل وقوع ذلك الخلاف أو غيره؟ من الأكيد “كلا”. ما من أحد يصل إلى تلك النقطة من الشجار، ويكون قد تكلم مع نصفه الآخر عن أي موضوع يزعجه. لذلك توالت الأفكار السلبية بفكر ذلك الفرد، لا بل تفاقمت لتظهر إلى العلن وأمام الملأ. تخيلت بأنهما يتشاجران أمام أطفالهما في المنزل، وأنهما على استعداد أن ينقضّ أحدهما على الآخر، وبطريقة وحشية.
لماذا؟!
عدت إلى الواقع لكنه رفضني، رجعت إلى تلك الأحاسيس والأفكار مُكْرَهاً! صعدت إلى السيارة لأتأمل المرآة، لأشاهد نفسي وكأنني في منزلهما وهما يتشاجران، أمام أطفالهما! والاطفال يتخبَّطون في النزاع، والصراخ الحاصل. لتنقسم العائلة إلى أجزاء مُشرّْذَمة، وكل جزء يصارع نفسه من لا شيء! وهذا التشرذم لا محالة سوف يؤثر وبشكل مباشر على الأطفال، وكما وأنه سوف يأخذ حيّزاً كبيراً من تفكير الأهل ليصبحوا تائهين في دوامة الضياع! ألهذا الحد كان لهذا الخلاف وزنٌ، ليسحق حبًا جمع بين روحَين في جسدٍ واحد؟ أكان ما بينهما هشًّا إلى هذا الحد، أم أن الجرح كان أعمق من الحب نفسه؟ الم يتذكرا ولو للحظة، لحظات السعادة التي كانت تغمر قلوبهم وروحهم؟
لماذا؟!
أدرت محرك السيارة لأبدأ يوم عملي، بعدما كنت جهزت ما استطعت وأنا متخبّط بفكري! لِما شاهدت. توجهت إلى العديد من الزبائن الذي كان من واجبي القيام بذلك الأمر فهذه مسؤوليتي، لأبيع ذلك المنتج الصناعي، إلى المعامل والشركات. لكنني مشتَّت الفكر! لا أعلم لماذا كنت كذلك حقيقةً. بل كان نهاراً عاديّاً جداً كأي يوم عمل. لا بأس تابعت القيادة متنقلاً من منطقة إلى أخرى. حاملاً معي مشاهد مؤلمة، وشعور يطفو عليه غيمةً سوداء ملبدة وكأنها ستمطر عليّ عذابات الدنيا. كونها على علم بأنني شخص فولاذي أتحمل أعباء وهموم الأشخاص من حولي! وأنا على كامل الاستعداد!
دخلت في شارع مكتظّ بالسكان والمصانع والمحال التجارية، وبعد بضعة أمتار سمعت صراخاً قويّاً وشجاراً من الجهة اليمنى لي، استمهلت للحظة! لكن تلك اللحظة أخذت مني ما يقارب السبعة دقائق تقريباً! أراقب ماذا يحدث، كنت ما زلت جالساً على مقعدي داخل السيارة، لأسمع تلك الامرأة تصيح بوجه ذلك الرجل، وتهدده الكف عن إزعاج ابنتها، والتي اتضّح لاحقاً بأنها زوجته، وكان الصراخ يعلو شيئاً فشيئاً، والرجل يحاول الإجابة، لكن الأم نهرته بألا يتفوه بأيةِ كلمة قائلةً:
• “لا تقل شيئاً، فأنت من أخطأ بحق ابنتي، وإياك بأن تفعل ذلك الأمر مجدداً”!
أمعنت النظر بوجه الرجل، وكأنه يقول إنني لم أخطئ بحق زوجتي. وما هي إلا لحظات حتى انفجر صائحاً بوجه الوالدة مدافعاً عن ذاته، وشارحاً أمام الملأ ما حصل بينهما! عندها تجمّهَر الموجودون في ذلك المكان حولهم، ليتمكنوا من إخماد النيران الملتهبة بينهما، وإعادة الأمور إلى طبيعتها سليمة!
هنا ما كان عليَّ إلا أن أخفض رأسي باتجاه المقود، محدثاً نفسي كتائِه ضالاً طريقي بالمعرفة والإنسانية. كيف تحصل هذه الأمور بين أفراد المجتمع الواحد، ولم يعد للمودة والفرح، والسلام مكاناً لهم في وسَطِهم، أ يكون السبب بأنه مجتمع شعبي فقير؟ أم أن المصلحة الذاتية هي من تفوَّقت على الأخلاق الحميدة والمحبة! أم أن عدم المبالاة بشعور الطرف الأخر لنا؟ لهذا لا نهتم ونبدأ بالسباب والعراك لتحصيل ما نعتقده بأنه حقٌ لنا! اليس بمقدورنا إيجاد حل لأي عائق نواجه، أكان على صعيد العمل أم العائلة! من المسؤول لاهتراء ذلك المجتمع، أهي الحاجة – أم فقط العراك لإفراغ ما بداخلنا من سلبيات؟ من أين بدأ وحصل ذلك الاهتراء بين أفراد المجتمع الواحد؟! تحدثت إلى نفسي كثيراً في تلك السبع دقائق، ومن الأكيد والمؤكد لم أتوصل إلى أي نقطة انطلق منها. لأكتشف ما هو السبب! من أين جاءت تلك العصبية بين الأشخاص الذين يحاولون التعايش سويةً؟
لماذا؟
ما أقوله!
أفرغوا حمولة الزبالة المتراكمة بداخلكم، تخلصوا من ثقل السلبية التي تعيشون بها، ومن الأنا المتعالية التي تحجب الرؤية! فأنتم لستم وحدكم على صواب في كل خلاف، فكل نزاع يبدأ من نقطة ما، قدّ تكون تلك النقطة أنت دون أن تدري. لا يُمكننا أن نُفرغ غضبنا وما بداخلنا في وجوه أفراد نتعايش أو نعيش معهم! انظر إلى الموقف من الزاوية الأخرى، فقد تكتشف بياضًا لم ترَه من موقعك المتعنّت. اذهب إلى الناحية المقابلة لتفكك نقطة الخلاف. اقترب، تحرّك، وافهم قبل أن تحكم — فربما كان الحل أقرب مما تتصوّر.
ختاماً! عند حدوث أي خلاف أو صدام، لا تتسرّع في الحكم أو الانفعال. دع المشكلة تبتعد عنك قليلاً، واترك لها المسافة الكافية لتتبين حجمها الحقيقي بعيداً عن انفعالات اللحظة. فالأشياء تبدو أضخم حين نكون وسطها، وتصغر كلما نظرنا إليها من زاوية أهدأ وأبعد.
وحين تهدأ النفوس، قسّم الخلاف إلى أجزاء صغيرة، وافهم كل جزء على حدة، فكثيراً ما تكون الحلول كامنة في التفاصيل التي أغفلناها تحت تأثير الغضب.
لماذا؟
لأن الخلاف لا يجب أن يكون حاجزاً دائماً بين القلوب.
اقترب، وافتح ذراعيك. عانق من اختلفت معه، فالعناق ليس مجرد حركة عابرة، بل هو اندماج جسدين، واتحاد مشاعر، وتنقية للروح.
إنها لحظة تُكسر فيها الحواجز دون كلام، وتُذيب فيها حرارة الجسد الجليد المتراكم من الخصام. فالعناق يولّد طاقة إيجابية، تتغلغل داخل الجسد، وتوقظ فينا مشاعر التسامح والمحبة، وتُعيد ترتيب الفوضى الداخلية التي خلفها الخلاف.
وتذكّر دائماً:
الطاقة الإيجابية هي الأقوى، لأنها تبني وتصلح، في حين أن السلبية لا تفعل إلا أن تهدم وتُبعد.
لذا، اختر دائماً السلام، واختر الحب، واختر العناق… فهو أصدق لغة للمسامحة.
أفرِغوا حُمولتَكم قبل أن تُثقل قلوبكم وتُكسّر من حولكم!














