القاهرة/ تقرير خاص / ناصر سليمان
بعد عقود من الانتظار والاعتماد على لوائح كنسية قديمة أثارت جدلاً واسعاً، دخلت مصر مرحلة تاريخية في ملف المواطنة مع إحالة الحكومة لأول مشروع قانون موحد للأحوال الشخصية للمسيحيين إلى مجلس النواب في مايو 2026. القانون الذي وُصف بـ “الطفرة التشريعية” يأتي لينهي أزمات آلاف الأسر المعلقة بين مطرقة القضاء وسندان الضوابط الكنسية الصارمة.
استجابة رئاسية وتوافق كنسي
جاء التحرك الحكومي استجابةً لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي في أبريل 2026، بضرورة حسم قوانين الأسرة لإنهاء التشتت المجتمعي. ويتميز المشروع الجديد بكونه نتاج “إجماع نادر” بين الطوائف المسيحية الست في مصر، حيث نجحت اللجنة المشكلة منذ عام 2016 في صياغة 160 مادة موضوعية تراعي الخصوصية العقائدية لكل طائفة مع توحيد الإطار الإجرائي العام.
أبرز ملامح التغيير: “الانحلال المدني” والمساواة
يحمل القانون الجديد بشارات لمواطنين عانوا لسنوات من انسداد قنوات الانفصال القانوني، ومن أهم ملامحه:
إنهاء “تغيير الملة”: أغلق القانون باب التحايل الذي كان يلجأ إليه البعض لتطليق الطرف الآخر عبر تغيير الانتماء الطائفي.
استحالة العشرة: أتاح القانون ما يعرف بـ “الانحلال المدني” في حال الانفصال الفعلي لمدة 3 سنوات، مما يعد مخرجاً إنسانياً للأسر المحطمة.
المساواة في الميراث: نص المشروع صراحة على المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، تفعيلاً للمادة الثالثة من الدستور.
توسيع مفهوم “الزنا” شمل القانون “الزنا الحكمي” (القرائن والدلائل) كسبب للتطليق، ولم يعد قاصراً على واقعة التلبس المادي فقط.
مخاوف حقوقية: سلطة الكنيسة والبيروقراطية القضائية
رغم الترحيب الواسع، لم يخلُ القانون من انتقادات “حقوقية” لاذعة؛ حيث رصدت منظمات مثل “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” ما وصفته بـ “الأهلية المنقوصة” مبررة ذلك بعدة نقاط:
1هيمنة الرئاسة الدينية: انتقد حقوقيون استمرار اشتراط رأي الكنيسة (لمدة 45 يوماً) في قضايا الطلاق، معتبرين أن ذلك يقيد الإرادة المنفردة للمواطن ويجعل تصريح “الزواج الثاني” رهناً بالتقدير الكنسي لا الحكم القضائي.
- أمد التقاضي: يرى قانونيون أن الإجراءات الجديدة من “صلح إلزامي” وانتظار سنوات الفرقة قد تزيد من معاناة المتخاصمين، مطالبين بسقف زمني للفصل في القضايا لا يتجاوز 6 أشهر.
- إشكالية الأثر الرجعي: يثير عدم تطبيق القانون على القضايا المنظورة حالياً (نحو 270 ألف قضية طلاق) مخاوف من تكريس الازدواجية، حيث ستظل القضايا القديمة تُحكم بـ “للذكر مثل حظ الأنثيين” وفق الشريعة الإسلامية، بينما تُطبق المساواة على القضايا الجديدة فقط.
ملفات شائكة: التبني والحضانة
أشار التقرير الحقوقي أيضاً إلى خلو القانون من تشريع “التبني” المتاح في العقيدة المسيحية، والاكتفاء بنظام “الكفالة” المعمول به في القوانين العامة، بالإضافة إلى انتقاد بند سقوط الحضانة عن الأم أو الأب في حال الزواج الثاني، معتبرين أنه لا يراعي “المصلحة الفضلى للطفل”.
الخلاصة
بينما يرى المدافعون عن القانون أنه يحقق “الاستقرار الأسري” ويرسخ قيم المواطنة عبر احترام خصوصية العقيدة، تضغط مؤسسات المجتمع المدني لفتح حوار مجتمعي أوسع تحت قبة البرلمان، لضمان أن يكون القانون جسراً نحو الحرية الشخصية وليس مجرد “تقنين” لسلطة المؤسسات الدينية على حياة الأفراد.












