بقلم: تيماء الجيوش
اليوم أنا كمحامية و نسوية و امرأة أجد ما يحدث معيباً و محزناً في سوريا مع تصريحات تطفو إلى السطح من جهاتٍ غير حكومية تدعو إلى بقاء المرأة في منزلها و منعها من ممارسة حقها في العمل في سوريا.
و هذا أمر ليس بالجديد لكن من المعيب مرةً ثانية أن يصدر في مرحلةٍ جدُ هامة من تاريخ سوريا حيث الاقتصاد فيها عامل مركزي في تحديد مستقبلٍ تحدياته لا تُعد ولا تحصى نتيجة وقوعها لعقود تحت سيطرة نظام ديكتاتوري.
و من المعيب ايضاً للمرة الثالثة أن يصدر و قد دفعت المرأة السورية ثمناً باهظاً منذ العام ٢٠١١ مع ما حدث من تغيير جذري في الواقع الاقتصادي للمرأة بدءاً من ظاهرة النزوح ، تدمير البنية التحتية، التدهور الاقتصادي إلى انعدام الأمن ما دفع بالعديد من النساء إلى براثن الفقر ، كما و ازداد عددهن في سوق العمل غير الرسمي ، بل إن سنوات الصراع جعلت من الكثيرات المعيلات الرئيسيات لأسرهن نظراً لوفاة أو اختفاء أو إصابة أو اعتقال أو هجرة أو بطالة أفراد أسرهن من الذكور.
هنا أتفق تماماً مع العديد من باحثين و خبراء مع نقطتين أساسيتين أولهما أن التغيير الكمّي لا يعني تغييراً نوعياً بطبيعة الحال ، أي أن زيادة مسؤوليات المرأة الاقتصادية لا يؤدي بالضرورة إلى حصولها على حقوق متساوية أو حماية قانونية متناسبة . و ثانيهما أن إعادة الإعمار، و الرغبة في العودة إلى دورة الحياة الطبيعية بعيداً عن العنف و سنوات من الصراع الدامي قد تؤدي إلى رد فعل محافظ يتم فيه تشجيع الأدوار التقليدية. لكن هذا بالمطلق لا يعني ان يُلغى حق المرأة في العمل بل و المجاهرة بتكريس دونيتها دون يُردّ عليه كما حدث. ولا يعني ان يُلقى بهذا الكم من العبث بحقوقها و حرياتها مقابل صمت مخجل وعدم مقابلة الحجة بالحجة.
يُردّ على هذا النوع من التصريح و إن بقاء المرأة في منزلها هو أولى ، يُردُّ عليه بان الحق في العمل حق أساسي من حقوق الإنسان، معترفًا به بموجب القانون الدولي، وهو ضروري لكرامة الإنسان ومساواته وعدالة أوضاعه الاجتماعية. ولا تقتصر مشاركة المرأة في سوق العمل على الجانب الاقتصادي فحسب، بل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتمكينها واستقلالها ومشاركتها الكاملة في الحياة العامة.
في سوريا، لطالما اضطلعت المرأة بأدوارٍ مهمة في مجالات التعليم والرعاية الصحية والقانون والزراعة والتجارة والإدارة العامة. تأثرت أدوارها مع امتداد سنوات الصراع والانهيار الاقتصادي والنزوح والتمييز والعوائق الاجتماعية ،ربما لم تحصل على فرص العمل وظروف العمل اللائقة كما يجب أن يكون لكنها بقيت فاعلة في سوق العمل.
و من حيث المعايير القانونية الدولية ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) في المادة 23 على أن لكل شخص الحق في العمل، وفي حرية اختيار العمل، وفي ظروف عمل عادلة ومواتية، و الأجر المتساوي يعني العمل المتساوي.
و العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (ICESCR) بدوره اكد على الحق في العمل بموجب المادتين 6 و7. ويلزم الدول بضمان أجور عادلة، وظروف عمل آمنة، وتكافؤ الفرص، والحماية من التمييز.
والأهم من ذلك، أن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW) توفر إطارًا شاملًا لحقوق المرأة العاملة. وتنص المادة 11 على إلزام الدول بالقضاء على التمييز ضد المرأة في العمل، وضمان المساواة في التوظيف وتولي مناصب قيادية والأجور والتدريب المهني وحماية الأمومة والضمان الاجتماعي.
كما تُرسّخ معايير العمل الدولية التي وضعتها منظمة العمل الدولية مبادئ تتعلق بالمساواة في الأجور، وعدم التمييز، وحماية الأمومة، والسلامة في مكان العمل، والعمل اللائق.
وتُقرّ هذه الصكوك الدولية مجتمعةً بضرورة تمتع المرأة بفرص متساوية وحماية في سوق العمل دون تمييز على أساس الجنس أو الحالة الاجتماعية أو الحمل أو المسؤوليات العائلية. مع تعداد هذه المعايير مجتمعة يثور السؤال كيف يستقيم ان سوريا من الدول التي وقعت و صادقت على هذه الاتفاقيات و هي أحوج ما تكون الآن إلى كل يد عاملة مع هذه الدعوات ببقاء المرأة في المنزل ؟؟
لا أغالي بالقول أن حق المرأة في العمل في سوريا هو نقطة التقاء بين حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين والتعافي بعد النزاع. يُرسّخ القانون الدولي معايير واضحة تُؤكد حق المرأة المتساوي في العمل، والكرامة، والأمان، والمشاركة الاقتصادية كما ذُكِرَ أعلاه ، و يعلم العديد من النسويات و مختصي القانون و البحث الأكاديمي ان القانون السوري ينص على حق المرأة في العمل، و هم على دراية واضحة ان تحديات جسيمة لا تزال قائمة نتيجةً للسنوات العجاف سياسياً و امنياً، والصعوبات الاقتصادية، والتمييز الذي يأخذ اشكالاً متعددة منها ما يأتي تصريحاً او بياناً كما حدث و الكثير من العوائق الهيكلية. لكن هذا كله أدعى إلى الحرص على ضمان التطبيق العملي لحقوق المرأة العاملة في سوريا إصلاحًا قانونيًا، والتزامًا مؤسسيًا، والاهم من هذا وذاك تحولاً اجتماعيًا يتماشى مع مبادئ حقوق الإنسان الدولية يبدأ من وقف هذه التصريحات و ألا يُغض الطرف عنها، فالمجتمع الذي يحمي حق المرأة في العمل لا يُعزز النساء أنفسهن فحسب، بل يُعزز أيضًا الأسر والمجتمعات ومستقبل وطن بأكمله . بناء سوريا لا يتم بدون شراكة حقيقية مع نسائها. و ما على أبناء سوريا أن يجيبوا عليه بعد انتهاء سنوات من الدماء و الصراع هو ما إذا كان مكانة المرأة في المجتمع قد تغيرت إلى الأبد؟ أم عادت حيث كانت ؟














